اهانة في حفل الزفاف


يعيد المشهد ثانية بثانية ضحكة نيرة، القلم اللي نزل على وشي، الفستان اللي اتقطع، والأصعب سكوت باسم. السكوت اللي كان أوجع من الإهانة نفسها.
بعد دقائق بابا قال بصوت هادي
أنا كنت عارف إنك هتحاولي تعيشي حياة عادية يومًا ما بس ما كنتش أتخيل إن التجربة هتبقى قاسېة بالشكل ده.
بصيت له وقلت بصوت مبحوح
كنت عايزة أعرف لو في حد ممكن يحبني من غير ما يعرف أنا بنت مين.
سكت شوية وبعدين قال
والنهارده عرفتي.
كلمته كانت بسيطة لكنها كانت الحقيقة اللي حاولت أهرب منها سنتين كاملين.
وصلنا الطيارة، ولما قعدت في الكرسي الجلد الكبير حسيت إن العالم كله فجأة بقى بعيد. صوت المحركات بدأ يعلو، والمدينة تحتنا بدأت تصغر لكن اللي حصل في القاعة كان لسه كبير جوه قلبي.
فتحت الموبايل وكان عندي آلاف الإشعارات. الفيديو اللي اتصور لايف وصل لملايين المشاهدات. لكن المفاجأة إن التعليقات ما كانتش ضدي بالعكس. الناس كانت غاضبة من اللي حصل. آلاف الرسائل بتقول إن اللي اتعمل معايا إهانة ما ينفعش تحصل لأي إنسان.
لكن في وسط كل الرسائل، كان في اسم واحد ظهر على الشاشة
باسم.
اتصل أكتر من 30 مرة.
بصيت للموبايل شوية وبعدين قفلته.
الطيارة وصلت بعد ساعات للقصر. نفس القصر اللي سيبته بإرادتي من سنتين. أول ما دخلت غرفتي القديمة حسيت بمزيج غريب من الأمان والحزن. المكان نفسه لكن أنا مش نفس البنت اللي خرجت منه زمان.
في اليوم اللي بعده، الأخبار كلها كانت بتتكلم عن اللي حصل في حفلة شركة نيرة. القنوات الاقتصادية كانت بتعرض الفيديو والمحللين بيتكلموا عن الأزمة اللي ممكن ټضرب سمعة شركتهم بعد الڤضيحة.
لكن اللي محدش كان متوقعه حصل بعد يومين.
بابا أعلن في مؤتمر صحفي إنه كان بيدرس الاستثمار في مشروع عقاري ضخم مع شركة كنعان لكن بعد حاډثة غير مقبولة قرر يسحب العرض بالكامل.
المبلغ كان 300 مليون دولار.
الخبر وقع زي الزلزال في السوق.
أسهم شركتهم نزلت بشكل حاد وشركاء كتير بدأوا ينسحبوا.
وفي نفس اليوم باسم جه القصر.
كنت قاعدة في الجنينة لما الحارس بلغني إنه برة وعايز يقابلني.
لحظة سمعت اسمه قلبي دق بسرعة، مش حب لكن بقايا ذكرى.
وافقت أقابله.
دخل وهو شكله مختلف تمامًا. البدلة الأنيقة اختفت، وعينيه باين عليهم السهر والتوتر.
وقف قدامي لحظة وسكت وبعدين قال
إيمي أنا ما كنتش أعرف إنك
قاطعته فورًا
إنّي بنت سالم الهواري؟
هز رأسه ببطء.
بصيت له شوية وبعدين قلت بهدوء
المشكلة مش إنك ما كنتش تعرف أنا مين المشكلة إنك عرفت أنا مين لما اتأذيت وسكت.
ملامحه اتكسرت لحظة، وقال
أنا كنت مصډوم ما توقعتش ماما تعمل كده.
ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها مرارة
بس توقعت إيه؟ إني أستاهل؟
سكت.
السكوت ده كان الإجابة.
قال بسرعة
أنا بحبك يا إيمي والله بحبك.
بصيت في عينيه للمرة الأخيرة وقلت جملة كانت نهاية كل حاجة
اللي يحبك ما يسيبكش تتكسر قدام الناس.
بعدها قمت
ومشيت.
المقابلة ما طولتش خمس دقائق لكنها قفلت فصل كامل من حياتي.
مرت شهور بعدها.
الحياة رجعت هادية لكن أنا اتغيرت.
رجعت أشتغل في شركة بابا، مش عشان الفلوس لكن عشان أعمل حاجة ليها معنى. بدأت مشروع لدعم البنات اللي بيتعرضوا للتنمر أو الإهانة في أماكن العمل.
الغريب إن الفيديو اللي بدأ كڤضيحة بقى سبب إن آلاف البنات يكتبوا لي قصصهم.
وفي يوم من الأيام، كنت واقفة في شرفة القصر أبص للبحر لما عم فؤاد قرب مني وقال بابتسامة هادية
فاكرة لما قلتلك الناس بتبان حقيقتها لما تحس إنها أقوى؟
ابتسمت وقلت
أيوه بس نسيت أقولك حاجة.
سألني
إيه هي؟
بصيت للأفق وقلت
برضه الناس بتبان حقيقتها لما تخسر كل القوة.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي حصل ما كانش مجرد إهانة في حفلة
كان اختبار كشف وجوه كتير وعلّمني إن الكرامة أهم من أي حب وأقوى من أي اسم وحتى أقوى من أي ثروة في الدنيا.