عالم بلا صوت كاملة بقلم مني السيد

السكوت كان مرعب.. ملوش آخر.
مش السكوت الهادي اللي بختاره بمزاجي كل يوم قبل ما أنام، لما أشيل السماعات وأحطها في علبتها جنب السرير وأحس إني سحبت الغطا على دماغي وفصلت عن العالم.. لا، المرة دي السكوت كان مختلف. كان النوع اللي بييجي بعد العلقة، بعد ما حاجة غالية في روحك تتكسر مېت حتة، لدرجة إنك لسه حاسس بۏجع الخبطة في عضامك رغم إنك مش سامع صوتها.
بقلم مني السيد 
قبل الکاړثة بساعة، كنت قاعدة في أوضتي فوق، غرقانة في شاشة اللاب توب بخلص بحث الماجستير بتاعي. الأوضة ريحتها شاي بالنعناع برد من بدري، وصوت المطر بيخبط على الشباك. كنت مشغلة مزيكا هادية، يا دوب هزة بسيطة تخلي دوشة البيت ميوصلش تأثيرها لتحت جلدي.
عندي 25 سنة، بخلص ماجستير في الهندسة الطبية، وقاعدة في بيت أهلي عشان أوفر قرشين، وعشان كل مليم كنت بحوشه كان بيروح لأقساط السماعات اللي اشتريتها بدم قلبي.. متوفرة على روايات و اقتباسات أقساط تقطم الظهر. السخرية كانت في إني بصمم أطراف صناعية وحاجات تساعد الناس، وأنا نفسي مش قادرة أوفر تمن الأجهزة اللي بتخليني عايشة مع الناس.
تحت في الصالة، كان أخوي مروان المفروض بيذاكر عشان يحول كليته.
مروان عنده 21 سنة، بقاله 3 أسابيع بيفكر في مستقبله وهو بيلعب ببجي ليل نهار في الصالة، وبيشات مع بنات عمره ما شافهم. كان متعود ينده عليّ كل ما يعطل في حاجة، وغالباً بيبقى عايزني أكتبله البحث أو أشيك على كلامه عشان يبان إنه بيفهم أكتر من الحقيقة. ساعدته كتير، بس هو اتعود إن ده حقه مكتسب..متوفرة على روايات و اقتباسات إهمال منه، فزع، جري عليّ، ويحسسني إني مجبورة أنقذه.
الليلة دي، أنا مسمعتوش.
يمكن نده مرة من تحت السلم.. يمكن تلاتة.. يمكن أكتر. السماعات دي مش سحر، مش بتخليني تسمع زي البشر الطبيعيين، هي بس بتكبر المتاح. ومع المطر والمزيكا وتركيزي في الأرقام، العالم كله اختفى وبقيت أنا والشاشة وبس.
أول علامة إن فيه مصېبة مكنتش صوت.. كانت حركة.
باب الأوضة اترزع رقعة خلت كوباية الشاي تتهز. مروان دخل وعينيه بتطلع شرار، وريحته سجاير رخيصة ومعطرات جو. بقه كان بيتحرك بسرعة وبرعونة.
لقطت منه كلام متقطع
... بنادي عليكي...
... أنانية...
... طول عمرك مطنشانا...
... ماما قالت...
شيلت طرف السماعة وقلت بذهول فيه إيه؟
ده خلاه يتجنن أكتر. قرب مني وراح رزع اللاب توب بتاعي وقفله بغل، لدرجة إني حسيت بالرزعة في سناني.
قاللي وهو بيمط الكلام وبيهز ايده كأني عيلة صغيرة مبتفهمش كنت.. عايز.. مساعدة. بقالي عشر دقايق بجعر تحت.
شاورت على ودني وقلتله مسمعتكش.
راح لافف عينيه بزهق وقالي ببرود حجة سهلة ومريحة.
الكلمة دي لقطتها بالحرف.. مريحة.
نفس الۏجع القديم اللي بېحرق في صدري من سنين. سمع اختياري، بتدلع، بتمثل. طول عمرهم بيتعاملوا مع ضعفي في السمع كأنه قلة ذوق مني أو عند ومصممة عليه.
قلتله بحدة أنا بذاكر، ابعتلي رسالة لو عايز حاجة.
ضحك ضحكة صفرا وقالي وأنا ليه أتعب نفسي وأبعت رسالة لواحد معايا في نفس البيت؟
كنت عايزة أقوله عشان أنت عارف إني مبسمعش.. عشان ده مش ذنبي.. عشان الرحمة والتقدير مش هينقصوا منك حاجة.
بس قبل ما أنطق، لقيت أبويا وأمي واقفين على باب الأوضة، كأنهم مستنيين الخناقة عشان يفرغوا اللي جواهم.
بقلم مني السيد 
الجزء الثاني تسجيل الحقيقة
فضلت قاعدة على الأرض فترة طويلة بعد ما خرجوا، مش عشان كنت متجمدة بالمعنى الحرفي، بس عشان السكوت كان عامل حاجات غريبة في توازني. لما كنت بقلع السماعات
بمزاجي،