رواية جديدة بقلم مني السيد

أنا اسمي كريمة، ولمدة تمانية وتلاتين سنة كنت أنا عمود البيت في عيلة الشناوي. لو بتفهم يعني إيه البنت الكبيرة في عيلة مصرية متوسطة، هتعرف إن اللقب ده مش مجرد صلة قرابة؛ دي وظيفة. بقلم مني السيد 
أنا كنت المسؤولة عن أجندة المواعيد، ومنظمة المناديل والورد في المآتم، واللي عارفة بالظبط مين من خالاتي عندها حساسية من الجلوتين، وأني عم من أعمامي ماينفعش يقعد جنب مين بعد تالت كوباية شاي عشان الخناقات متبدأش. بقلم مني السيد 
إخواتي، تسنيم وريهام، كانوا واخدين المساحات اللي أنا سايباها فاضية لهم. تسنيم، البنت الوسطانية، كانت بطلة محترفة؛ مابتسجلش دخول في أوضة، دي بتعمل مشهد دخول. أي نجاح ليها كان لازم يبقى مانشيت رئيسي، وأي مشكلة تافهة كانت بتقلبها تراجيديا يونانية. متوفرة على روايات و اقتباسات وبعدين فيه ريهام الصغيرة، اللي عايشة في حالة طفولة متأخرة دايمة، وأبويا وأمي بيتعاملوا مع دلعها ده وكأنه خفة ډم فطرية.
أنا كنت العاقلة.. وفي لغة العيلة، عاقلة دي كود معناه مختفية لحد ما نحتاج لها. أنا اللي كنت بسهر أغسل المواعين وتلال الأطباق، وإخواتي قاعدين في البلكونة بيشربوا قهوة وبيفتكروا طفولة أنا قضيت معظمها وأنا أُم بديلة ليهم. كنت فاكرة إن ده تمن الحب، وإني لما أكون مفيدة أكتر، هكون مقدرة أكتر.
كل ده اتغير لما تبنيت مريم. كان عندي تلاتين سنة، وهي عندها تلاتة. جت لي ومعاها شنطتين صغيرين ونظرة عين تقيلة، كأنها شايلة على كتافها خيبات أمل جبل. مريم ماكانتش طفلة دوشة، لا بتصوت ولا بتطلب اهتمام. متوفرة على روايات و اقتباسات بدل ده، كانت بتمارس الحذر كأنه فن. بتراقب.. بتستنى.. وبتمسح كل أوضة بتدخلها بعنيها بتدور على مخرج.
أول مرة قالت لي ماما كنا في العربية، كان يوم تلات عادي. ماكانش إعلان تاريخي، كان سؤال تايه ومكسوف ماما.. ممكن نجيب تفاح؟. الكلمة دي ماعدتش كدة وخلاص، دي ثبتتني في الأرض. وفي اللحظة دي، أخدت عهد على نفسي البنت دي مش هتكون زيادة في حياتي أبداً. هبني لها عالم ماتكونش فيه مجرد مقبولة، لا.. تكون فيه أساسية.
للأسف، نسيت إن عيلتي شايفة دايرتنا دي نادي مغلق. بالنسبة لهم، مريم كانت إضافة لطيفة، عمل خيري، أو بنت كريمة. كانوا بيستخدموا الألقاب دي كأنها أسوار. التجاهل ماكانش بيجي خبطة واحدة، كان تآكل بطيء وموجع. في الطريقة اللي أمي بترص بيها صور أحفادها اللي من ډمها على البوفيه، وصورة مريم محطوطة على تربيزة جانبية.. باينة، بس مش في المركز. في الطريقة اللي تسنيم كانت تتكلم بيها عن العيلة قدام مريم، وبعدين توضح أيوة يا حبيبتي، أنتي فاهمة قصدي طبعاً، كأن وجود مريم محتاج هامش تفسير دايم. بقلم مني السيد 
كنت بشوف مريم وهي بتحاول تردم الفجوة