مفتاح الخزنة كاملة بقلم انجي الخطيب


في موقع أسوان وممكن أضطر أطير الفجر. كريم كان في الطرقة. أمي كانت في المطبخ بتعمل نفسها بتقطع ليمون وسكتت عشان تركز في المكالمة.
بالليل
الجو على العشا كان مختلف.. حذر بزيادة.
أمي كانت لطيفة بشكل مقرف. سلوى بتمدح في الأكل. كريم قالي يا أخويا وهو بيبتسم ابتسامة تليق بنصاب عربيات مستعملة. أبويا كان باصص في طبقه. العيال بس هما اللي اتصرفوا بطبيعتهم.. يعني بأدب معډوم.
مأكلتش تقريباً.
الساعة 910 بالليل، قلت لهم إني هلكان وطالع أنام عشان مكالمة أسوان الفجر. أمي هزت راسها بسرعة. كريم ضحك وقال البيزنس مابينامش يا بطل.
طلعت السلم، قفلت باب أوضتي، نورت نور الحمام، ودخلت من دولاب الهدوم على الممر السري بتاع الخدمات اللي كنت مصممه في البيت عشان الصيانة والأسلاك. ومنه.. نزلت لأوضة المراقبة في البدروم.
طارق كان هناك، ومعاه النقيب مروة وأمين شرطة بملابس مدنية. حازم المحامي كان فاتح اللابتوب بتاعه بيراجع التسلسل القانوني للأدلة زي جلاد أنيق. محدش كان بيتكلم بصوت عالي.
الساعة 1141 بالليل أمي عدت من قدام المكتب مرتين.
الساعة 1152 بالليل كريم دخل من باب الجنينة زي إمبارح بالظبط. سلوى دخلت وراه حافية. أبويا دخل بخطوات تقيلة وعينه في الأرض. وأخيراً.. أمي دخلت وفي إيدها المفتاح التاني لخزنتي.
على الشاشة، الصورة واضحة ألوان. أمي قفلت باب المكتب.
كريم بص في الطرقة يتأكد إن مفيش حد. سلوى حركت الكرسي من قدام الخزنة. أبويا وقف جنب المكتب، مش بيراقب الطريق، بس كأنه شخص يئس من إنه يعمل نفسه ملوش دعوة. أمي رفعت برواز جدي، وظهر باب الخزنة الحديد.
النقيب مروة قربت من الشاشة وهمست شوف الثبات.. دي مش أول مرة ليهم.
الصوت كان واضح لدرجة توجع البطن.
كريم قال أول ما أستلم الأصول، هنبعت الورق بالبريد السريع.. على ما يفهم إن القرض اللي اتسحب مش عشان تجديد البيت، هيكون الفلوس دخلت الحساب.
سلوى سألت ورق الشركة؟
أمي ردت ببرود يرعب خدوا أي حاجة عليها ختم.. ولموا الفلوس اللي جوه، ده بيشيل طوارئ هنا.
أبويا نطق أخيراً كده كتير أوي.
كريم بصله پحده كتير ده كان من شهر ونص.. إحنا دلوقتي بنقفل الشغلانة.
وأمي معترضتش.
أمي دخلت الباسوورد.. الخزنة فتحت.
كريم فتح الباب على آخره، ولثانية.. الأربعة وقفوا متنحين قدام النور الأزرق الخفيف اللي طالع من الرفوف، باصين لرزم الفلوس والملفات اللي عليها أختام بارزة. الطمع ده أكتر تعبير سهل تميزه في الدنيا.. بيخلي الكبار شكلهم زي العيال اللي اتطمنت إن محدش شايفهم وهما بيسرقوا الحلاوة.
كريم مد إيده سحب أول ملف، فتحه، وابتسم بشراهة أهو جه.
وهنا.. أنا دخلت عليهم.
أنوار المكتب كلها ولعت فجأة بأقصى قوة لأنني شغلتها من تليفوني قبل ما أدخل ب 5 ثواني. كريم اتنفض لدرجة إن الملف وقع من إيده. سلوى شتمت. أمي لفت ناحيتي وإيدها لسه جوه الخزنة، ووشها كان عليه ملامح إدانة واضحة لدرجة إنها كانت هتبقى مضحكة لو كنا في أي موقف تاني. أبويا غمض عينه زي اللي كان عارف إن اللحظة دي جاية وكان بيتمنى الجبن بتاعه يشفعلة.
وقفت على بعد خطوتين من الباب.
ورايا، النقيب مروة وأمين الشرطة ظهروا. حازم المحامي فضل واقف في الطرقة عشان يبان إنه شاهد قانوني مش مفاوض. مزعقتش.. مكنتش محتاج أزعق. الأوضة كلها بقت بتاعتي خلاص.
قلت لكريم اتفضل.. اشرح للظابط أنت بتعمل إيه جوه خزنتی نص الليل.
للحظة محدش نطق.
وبعدين أمي عملت أكبر غلطة وبدأت تتكلم إياد.. أنت فاهم غلط، كريم كان بيساعدنا نرتب الورق
مروة ضحكت باستهزاء.. ضحكة قصيرة مليانة احتقار يا حاجة.. أنا معايا بث مباشر لآخر 40 دقيقة، وتسجيلات صوت وصورة لآخر 90 يوم، وأدلة تكفي أبلط بيها محكمة بحالها. بلاش تستخفي بعقلي قبل حتى ما أكلبش الناس الصح.
وش كريم اتغير أسرع من أي حد.
الڼصابين دايماً أذكى من الناس العادية في إحساسهم باللحظة اللي اللعبة بتنتهي فيها. رمى الورق الأصلي في الخزنة تاني، رفع إيده نص رفعة وقال مفيش داعي نكبر المواضيع وندخل البوليس.. ده مجرد سوء تفاهم.
لا، قلتها بجمود.. ده شروع في تزوير وسړقة أصول جوه بيتي، بعد تلات شهور من استعباد وذل مراتي.
سلوى بدأت ټعيط فوراً. أداء تمثيلي مبهر في سرعته العيال نايمين! أبوس إيدك بلاش بلاش بوليس قدام العيال. مروة حطت إيدها على كتف سلوى بضغطة قوية كفاية تنهي المسرحية من غير ما تسيب كدمة. سلوى سكتت خالص.
أمي كانت لسه بتبص لي وكأنها مستنية الواقع يتغير.
أنت اللي نصبتلنا الفخ ده، همست پصدمة.
بصيت لها وحسيت إن فيه حتة تلج استقرت في قلبي للأبد لا.. أنتي اللي عملتي كده. أنا بس بطلت أكون آخر مغفل في البيت.
أمين الشرطة بدأ بكريم، قراه حقوقه وهو بيتمسك، ومروة كانت بتصور الخزنة المفتوحة والمفتاح اللي في إيد أمي والورق اللي على الأرض ووشوشهم كلهم. أبويا مقومش لما طلبوا منه يقف على جنب. سلوى حاولت تقول إن الورق كان بره الخزنة لما دخلت، بس الكاميرا الدقيقة اللي فوق البرواز مسجلة كل حاجة.. بما فيها إيد كريم جوه الخزنة، وأوامر أمي ليهم يسرقوا الأختام.
مروة لفت لأمي.
يا حاجة، قالتها بحسم.. هاتي المفتاح.
أمي قفلت إيدها عليه أكتر.
للحظة بجد، افتكرت إنها هتبلع غرورها وتديهولها. لكنها فردت ضهرها وقالت بتبجح يعمي البيت ده كان المفروض يبقى بتاعي أنا أساساً!
أهيه ظهرت.
لا حزن.. ولا صدمة. استحقاق أعمى ومقرف.
سكت شوية لأني كنت لسه بحاول أستوعب إزاي الكره ده عايش جواها بقاله السنين دي كلها. من قبل نور.. ومن قبل أسوان.. ومن قبل الڼصابين دول. يمكن من يوم ما جدتي ماټت وكتبتلي البيت ومسابتلهاش حاجة، لأن العيلة كلها كانت عارفة إنها ممكن ترهن أي حاجة عشان تعيش دور الهانم لست شهور.
أنا عاملك مصروف شهري بقاله 14 سنة، قلتها أخيراً.. أبويا سدد ديونك مرتين من فلوسي. أنا اللي اشتريت لك شقة المهندسين لما البنك حجز على القديمة. أنا اللي بدفع عملياتك وضرايبك وقسط عربيتك.. وبرضه مش مكفيكي؟
شفايفها اتهزت أنت سيبتني تحت رحمتك.
الكذبة كانت ضخمة لدرجة إنها كادت تكسر الأوضة.
لا، رديت بصرامة.. أنا سيبتك مسنودة. أنتي اللي کرهتي إن السند ده له حدود ومش على مزاجك.
مروة خدت المفتاح من إيدها بالعافية. أمين الشرطة كلبش أبويا هو كمان، لأن سكوته مبرأوش من المشاركة.. والنظرة اللي أبويا بصهالي وهو بيلف مكنتش ڠضب.. كانت أوحش. كانت عار.. كأن الكسوف مبيظهرش غير لما الڤضيحة بيبقى ليها شهود.
كريم خرج الأول.
وبعده سلوى، حافية وعمالة تبرطم بأسامي محامين. أمي خرجت التالتة، ضهرها مفرود ووشها أبيض، لسه بتحاول تمشي كأنها الضحېة حتى والعسكري ماسك دراعها في الطرقة. المنظر ده هيفضل محفور في ذاكرتي فتره طويلة. مش عشان كاسر قلبي، لأ.. عشان بيعلمني لحد فين ممكن الناس تروح عشان تحمي القصة الكدابة اللي بيحكوها لنفسهم بإنهم يستحقوا حاجة مش بتاعتهم أساساً.
لما أبويا وصل للباب، بص لي أخيراً.
كان المفروض أوقفهم، قالها بصوت واطي.
هزيت راسي مرة واحدة.
أيوه، قلت له.. كان المفروض.
ومشي هو كمان.
التعافي
البيت بقى فيه صمت من نوع جديد بعد ما البوليس مشي.
مش صمت الړعب بتاع