الغريب في بيته


بيلف في باب شقتها العتيق. في الدار، الوقت ملوش طعم، والناس هناك زي ورق الشجر الناشف، مستنيين الهوا يطيرهم.
أحمد كان بييجي يزورها تأدية واجب، يقعد عشر دقايق يبص في ساعته أكتر ما بيبص في وشها، ويقول جملته المشهورة ها يا ست الكل، محتاجة حاجة؟ البيت وحش من غيرك والله بس الشغل والشقى...
وكريمة كانت ترد بابتسامة هادية تقطع القلب
مش محتاجة غير سلامتك يا بني.. روح لشغلك.
لكن ياسين.. ياسين كان قصة تانية. كان بييجي وهو شايل شنطته المدرسية، يقعد تحت رجليها على الأرض، ويحكي لها عن مدرسته، وعن البيت اللي مابقاش فيه روح من غيرها. كان بيبص في عينيها وكأنه بيعتذر لها عن خيبة أبوه. وفى عين الولد ده، كانت كريمة بتشوف بيتها اللي اتسرق منها، وبتحس إن لسه فيه خيط واحد بيربطها بالدنيا.. خيط لو انقطع، ھتموت وهي صاحية.
الجزء الثالث والأخير يوم الحساب
كريمة كانت شايفة كل حاجة.. شايفة الغل المكتوم، والكسوف اللي لابس توب العجز، والحب اللي لسه نضيف في قلب حفيدها ياسين، اللي مش عارف يحارب كبار بيمضوا ويقرروا ويقفلوا بيبان. في اللحظة دي، استجمعت قوتها وعدلت له ياقة قميصه بإيد مرتعشة وقالت له بص لي يا حبيبي.. اوعى تخلي اللي حصل ده يوسّخ قلبك من جوه.
مرت السنين، وياسين كبر قدام عينيها في الدار. مابقاش الطفل اللي بيعيط جنب العربية، بقى شاب عينيه فيها نظرة حد فاهم الدنيا صح. وفي يوم، وياسين عنده 17 سنة، سمع أبوه أحمد وأمه مها وهما بيخططوا مع محامي عشان يطلعوا شهادة حجر على الحاجة كريمة، بحجة إن عقلها خرف، عشان يبيعوا الشقة قبل ما الأمور تتعقد.
ياسين ماراحش واجههم.. راح لجدته في الدار، وحكى لها كل اللي سمعه وهو بياكل من كتر القهرة.
كريمة نزلت عينيها للأرض، وطلعت من شنطتها مفتاح صغير كانت مخبياه في بطانة الشنطة من سنين، وقالت له خلاص يا ياسين.. أوان الحق جه.
السر المدفون
المفتاح ده كان لبنك قديم.. وراه سر سابه الحاج جلال جوزها الله يرحمه قبل ما ېموت. الحاج جلال كان حاسس إن ابنه أحمد نفسه ضيقة وممكن ېغدر بأمه، فسجل وصية ملحقة في الشهر العقاري، وشال نسخة منها مع فلاشة وتسجيلات في خزنة البنك.
ياسين، بمساعدة محامية شابة وبمساعدة عم فوزي جارهم الوفي، قدروا يفتحوا الخزنة يوم عيد ميلاد ياسين ال 18. والصدمة كانت في التسجيل اللي سابه الحاج جلال بصوته
يا أحمد يا ابني.. أنا ربيتك وعلمتك وعملت منك راجل، رغم إني عارف من يوم ما اتولدت إنك مش ابني من صلبك.. أنا اتجوزت أمك وهي شايلة فيك عشان أستر عليها بعد ما اللي غدر بيها سابها، وحبيتك كأنك حتة مني.. بس لو جه اليوم اللي تنكر فيه فضل الست اللي
سترتك وشالتك في عينيها، وبعتها عشان حتة حيطان.. يبقى ماتستاهلش اسمي ولا تستاهل شقايا.

الصدمة نزلت على ياسين زي الصاعقة.. أبوه مش ابن جده! وكريمة شالت السر ده سنين عشان ماتكسرش أحمد قدام نفسه.
المواجهة الأخيرة
بعد خمس سنين من اليوم اللي رموها فيه في الدار، رجعت كريمة شقة الناصية.. بس المرة دي مش ضيفة، ولا مکسورة. دخلت ومعاها ياسين والمحامي والمأذون وصور المستندات.
مها فتحت الباب ووشها جاب ألوان إيه اللي جابكم؟ وإيه الشوشرة دي؟
أحمد طلع من جوه وهو بيحاول يبان قوي يا أمي إنتي تعبانة، إيه اللي خرجك من الدار؟
ياسين ماردش بكلمة.. حط التسجيل على التربيزة في نص الصالة.
صوت الحاج جلال ملأ البيت.. صوت مېت بيحاكم حي.
أحمد انهار وهو بيسمع الحقيقة اللي عمره ما تخيلها.. إن أبوه اللي كان بيعامله بقسۏة أحياناً، هو اللي ستره، وإن أمه اللي بيرميها في الدار، هي اللي ضحت بعمرها وسمعتها عشان يعيش هو مرفوع الراس.
النهاية
ياسين بص لأبوه وقاله بمنتهى الهدوء
الشقة دي، وبموجب الوصية، مابقاش ليك فيها طوبة واحدة. جدي نقل ملكيتها ل صندوق رعاية باسم تيتة، وليا حق الإدارة بعد سن ال 21.. قدامكم أسبوع واحد تلموا هدومكم، وتخرجوا من هنا زي ما خرجتوها.. بالهدوم اللي عليكم بس.
أحمد حاول يتكلم، بس لسانه كان مربوط.. ومها كانت بتبص للحيطان اللي حاربت عشانها وهي بتضيع من إيدها.
كريمة قعدت على الكرسي بتاعها القديم جنب البلكونة، بصت للجهنمية البنفسجي، وخدت نفس طويل.. نفس فيه ريحة الحق. بصت لياسين وقالت له
نظف قلبك يا ابني.. إحنا مش بننتقم، إحنا بس بنرجع لكل واحد مقامه.
خرج أحمد ومها من البيت وهما شايلين شنط الخزي، وفضلت كريمة في بيتها، مع حفيدها اللي طلع راجل بجد، مش بالاسم بس.. وفضل المفتاح في جيبها، بس المرة دي، الباب كان مفتوح للحبايب بس.
تمت.
انجي الخطيب