أجبرتني حماتي أن أقيم عزاء زوجي في بيتها

أجبرتني حماتي أن أقيم عزاء زوجي في بيتها لكن في الثانية فجراً، سمعت صوته يخرج من غرفة كانت قد أغلقتها بالمفتاح، وعندما حاولت فتحها، أمسك أخوه بذراعي وهمس إذا أردتِ أن تبقي على قيد الحياة، فتظاهري أنكِ لم تسمعي شيئاً.
في الليلة التي أُقيم فيها عزاء زوجي، لم يسمح لي أحد أن أحزن عليه كما ينبغي.
منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى بيت حماتي في أطراف بغداد، كان كل شيء يبدو غريباً، عدد الناس أكبر من اللازم، الدعاء متواصل بلا انقطاع، والعيون تتحرك بقلق كأنها تخفي شيئاً لا يجب أن يُقال، كان الچثمان موضوعاً في وسط غرفة الضيوف ملفوفاً بالكفن الأبيض، تحيط به رائحة البخور وأكواب القهوة المرة، لكن في كل مرة أحاول الاقتراب، كانت حماتي تعترض طريقي بحجة مختلفة.
قالت مرة لا تلمسيه.
ومرة أخرى دعيه يرتاح.
وكأنني غريبة لا زوجته.
كان مصطفى زوجي، شريك حياتي، وأب ابني الوحيد، ومع ذلك كانوا يتعاملون معي كأنني آخر من يحق له الاقتراب.
قالوا إنه تعرض لحاډث على الطريق السريع وهو في طريقه إلى بعقۏبة، واتصلوا بي عند الغروب ليخبروني أن كل شيء حدث بسرعة، وأن الچثمان لا يمكن رؤيته بسبب حالته، وكانت حماتي أول من كرر ذلك، بنبرة باردة جعلت الډم يتجمد في عروقي.
قالت احتفظي بصورة جميلة له في ذاكرتك.
لكنني لم أرد صوراً جميلة أردت الحقيقة.
لأن مصطفى، في صباح ذلك اليوم نفسه، قبل أن يخرج من البيت، قبّل جبين ابننا سيف، ثم اقترب مني وهمس بصوت خاڤت وهو ينظر من النافذة إذا حدث شيء اليوم، لا تثقي بعائلتي.
ضحكت وقتها بتوتر، ظننت أنه يبالغ، فقد كنا بالفعل نعيش خلافات مع أهله منذ أشهر بسبب البيت الذي نسكن فيه، وهو بيت ما زال باسم والده، وكانت عائلته تريد بيعه بأي ثمن، لكنني لم أتخيل أبداً أن ينتهي ذلك اليوم بعزاء وجثمان لا يُسمح لي حتى برؤيته.
مع اقتراب الساعة من الحادية عشرة ليلاً، بينما كان الجيران يقدمون القهوة والتمر في أكواب بلاستيكية، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة جعلت قلبي ينقبض، كان أخو زوجي، سعد، لا يفارق هاتفه، ينظر حوله باستمرار، وكأن شيئاً يطارده، وكانت حماتي تدخل وتخرج من غرفة في الممر، غرفة كانت دائماً مغلقة، والأسوأ من ذلك كله أن أحداً لم يتحدث عن الحاډث بحزن حقيقي، كانوا يهمسون نعم، لكن ليس كمن فقد عزيزاً، بل كمن يحرس قصة لا يجب أن تنكشف.
عندما سألت عن المستشفى الذي نُقل إليه مصطفى، تجاهلتني حماتي، وعندما سألت من الذي تعرّف على الچثمان، رد سعد بعصبية لماذا تريدين معرفة هذا الآن؟
شعرت بفراغ مرعب داخلي.
في الواحدة بعد منتصف الليل، غلب النعاس ابني سيف، كان عمره ست سنوات فقط، وقد أنهكه البكاء وكثرة الوجوه الغريبة، حملته إلى غرفة الضيوف، ووضعت رأسه على الوسادة، بقيت أراقبه للحظات، ثم هممت بالعودة إلى مجلس العزاء
لكنني سمعت شيئاً.
ثلاث طرقات ثقيلة.
قادمة من جهة الممر.
من الغرفة المغلقة.
تجمدت في مكاني، حاولت إقناع نفسي أنه مجرد صوت عابر، نافذة، أو أنبوب ماء، أي شيء إلا ما كنت أفكر فيه، لكن الصوت عاد مرة أخرى، أوضح هذه المرة، كأن شيئاً يُسحب على الأرض، وكأن نفساً متقطعاً يحاول ألا يُسمع.
فتحت باب الغرفة قليلاً، ونظرت إلى الممر، كان مظلماً، لا يضيئه سوى ضوء خاڤت قادم من مجلس الرجال، ثم
سمعته.
مزنة
كان صوته.
صوت مصطفى.
لم يكن واضحاً تماماً، لكنه كان هو، شعرت بأن الأرض تميد بي، تقدمت ببطء نحو الباب المغلق، أنفاسي تتقطع،