أجبرتني حماتي أن أقيم عزاء زوجي في بيتها


طرقت الباب مرة واحدة، لم يجب أحد، وضعت أذني على الخشب
وسمعته مجدداً، هذه المرة أكثر ضعفاً وأكثر يأساً.
لا تتركيهم
ولم يكمل.
مددت يدي نحو المقبض، كان مغلقاً، وفي اللحظة التي كدت أصرخ فيها
سحبني أحدهم پعنف من ذراعي حتى كدت أسقط.
التفتُ.
كان سعد.
وجهه شاحب، وعيناه مذعورتان، وقطرات العرق البارد تغطي جبينه، أمسك بذراعي بقوة ونظر حوله ليتأكد أن لا أحد يسمعنا، ثم اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه تلامس أذني، وزادت قبضته على ذراعي بشكل مؤلم
وهمس بصوت منخفض، ثابت، خالٍ تماماً من أي انفعال
إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة فتظاهري أنكِ لم تسمعي شيئاً.
قالها بهدوءٍ مخيف، دون ټهديد، دون رفع صوته، وكأنه لا يخيفني بل ينصحني، كمن يخبرك بأن المطر سيهطل بعد قليل، وأن الأفضل أن تغلقي النافذة.
وهذا ما أربكني.
لم يكن ما قاله
بل الطريقة.
طبيعيته.
حدقت به، عاجزة حتى عن الرمش، بينما قلبي بدأ يخفق پعنف داخل صدري.
همست بصوت مرتجف
ماذا فعلوا بمصطفى؟
ابتلع سعد ريقه، وبدا في عتمة الممر أسوأ بكثير مما كان عليه قبل قليل، قميصه مجعد، ملامحه مرهقة، وقطرات العرق تتسلل من جبينه رغم برودة الليل، لطالما رأيته أضعفهم، ذلك الذي يطيع دون نقاش ثم يبرر خوفه بأنه يريد تجنب المشاكل، لكن في تلك اللحظة لم أرَ ضعفاً.
رأيت رعباً حقيقياً.
قال بسرعة وهو يشيح بنظره
ليس هنا عودي إلى سيف. الآن.
هززت رأسي بعناد، وقلت بصوت خاڤت لكنه حاد
لن أتحرك حتى أفتح هذا الباب.
اشتدت قبضته على ذراعي أكثر، حتى شعرت بوخز حاد في جلدي.
قال بلهجة قاسېة وهو يقترب أكثر
مزنة، اسمعيني جيداً إذا أحدثتِ أي ضجة الآن، فلن تنقذي مصطفى بل ستتسببين في هلاكه.
شعرت پالدم يندفع في رأسي.
نظرت إليه وقلت ببطء، كأنني أتأكد من كلماتي
إذن هو على قيد الحياة.
لم يجب.
لكن
صمته كان كافياً.
على الجانب الآخر من الباب، عاد الصوت مرة أخرى ضړبة خفيفة، كأن أحدهم ارتطم بساق السرير، أو جرّ قدمه على الأرض بصعوبة.
أغمض سعد عينيه لثانية، وكأن كل صوت يُسمع هو عدٌّ تنازلي لشيء قادم لا يمكن إيقافه.
قال بسرعة، بصوت خاڤت لكنه حاسم
ارجعي إلى سيف وانتظريني عشر دقائق خلف المطبخ لوحدك ولا تقولي لزوجة أبي شيئاً
نظرت إليه بشك، وقلت
ولماذا يجب أن أثق بك؟
اشتدت نظراته، ومرّ فيها حزن ثقيل لم أره فيه من قبل، ثم قال ببطء
لو كنت أريد أذيتك لكنت تركتك تفتحين الباب.
ترك ذراعي أخيراً، واستدار مبتعداً في الممر، ثم عدّل من وقفته قبل أن يعود إلى غرفة الجلوس، حيث استمرت تلاوة القرآن، واختلطت رائحة القهوة المحترقة بالبخور، وكل ذلك المشهد بدأ يبدو لي كتمثيل سيئ عزاء بلا حزن، ووجوه تحفظ أدوارها أكثر مما تشعر بها.
بقيت واقفة لثانيتين لا أتحرك.
ثم رفعت يدي، وطرقت الباب بخفة، وكأنني أخشى أن يسمعني أحد أو أن يرد أحد.
همست
مصطفى
لم يأتِ أي رد.
فقط صمت.
صمت ثقيل خانق كأن من في الداخل يكتم أنفاسه عمداً، خوفاً من أن يُكتشف.
شعرت بأن صدري يضيق، وكأن الهواء لم يعد يكفي، أردت أن أصرخ، أن أركض إلى المجلس وأفضحهم جميعاً، أن أكسر كل شيء لكن سيف كان نائماً على بعد أمتار، وجهه الصغير ما زال منتفخاً من البكاء على أبٍ ربما لم يمت.
أو ربما ماټ بطريقة أسوأ.
عدتُ إلى غرفة الضيوف.
حملت سيف بين ذراعي، رغم أنه بدا أثقل من المعتاد، وعدّلت وضعيته على السرير برفق، لم أرد أن أتركه لحظة واحدة، لكن شيئاً داخلي كان يدفعني للخروج، لمعرفة الحقيقة مهما كانت.
انحنيت بجانبه، رأيته نائماً، فمه مفتوح قليلاً، وذراعه ملتفة حول لعبته الصغيرة، تذكرت