مخبز مروة بقلم نرمين عادل همام


الڼار وصوت الړصاص.
وبقيت مروة الشيمي تاني. بشتغل الصبح في المخبز، وبالليل بذاكر محاسبة في الكلية، وبنيت حياتي من مواعيد الأتوبيسات، وكوبونات الخصم، والعناد. بنتي حبيبة خلت معافرتي في الدنيا ليها طعم أحلى. بقى عندها أربع سنين دلوقتي.. بشعر منكوش، وسنة ناقصة من قدام، وأسئلة بتبدأ من قبل الفجر.
هي تعرف إن فيه بابا في القصص. تعرف إن فيه ماما بټحرق العيش المحمص وبتاخد تصفيق برضه. بس متعرفش أي حاجة عن عمر الدالي. لحد ما القدر، اللي باين عليه كان زهقان، قرر يقعده على واحدة من التربيزات عندي.
دخلت بالقهوة الجديدة وإيدي شكلها أثبت من اللي كنت حاسة بيه. عمر كان رجع قعد مكانه، بس كان قاعد مشدود أوي، ونظرته مركزة عليا بتركيز قناص. نهى كانت مشغولة بالموبايل. والبنت الصغيرة، اللي عندها 4 أو 5 سنين، كانت حاطة عروسة تحت دراعها وبترسم دواير في السكر اللي مدلوق على التربيزة.
حطيت الفناجين واحد ورا التاني. قلت لنهى بجمود القهوة بتاعتك يا فندم. بصت لي وقالت بترفّع مش عاوزة عجينة سكر فوندام على التورتة النهائية..
. قلت طبعاً، تحت أمرك.
البنت الصغيرة بصت لي طنط.. هو فيه بسكويت؟ صوتها كان ناعم وفيه رجاء.. قلبي خذلني واتعصر من جوايا. قلت لها بحنية فيه يا حبيبتي.. تحبيه بالشوكولاتة؟ هزت راسها ب أيوة بقلم نرمين عادل همام
عمر نطق أخيراً اسمها ليلى.
الطريقة اللي قال بيها الاسم خلتني أحس إنه بيرد على سؤال أنا مسألتوش بس مكنتش عارفة أبطل تفكير فيه.
بصيت للبنت تاني. عينيها بنية واسعة، وكلامها فيه رزانة. مش شبه عينيه بالظبط.. بس شبهها كفاية إنها في أول صدمة، تعمل فيا الۏجع ده كله.
قلت هجيب لك واحدة حالا. وأنا بلف، عمر قال بصوت واطي مروة.. استني بعد ما يخلصوا.
وقفت وضهري ليه. نهى ضحكت بسخرية مش شايفة إن ده كلام مش مناسب يا عمر؟ عمر رد بنبرة حادة ووطى صوته يبقى بطلي تسمعي.
كان المفروض أخرج ومأرجعش. كان المفروض أخد شنطتي ومرتبي وأي كرامة باقية لي وأهرب. بس الحقيقة إن الحياة الواقعية أوحش بكتير وأقل سينمائية من العقل. الحياة الواقعية فيها إيجار هيدفع كمان 6 أيام. فيها طفلة الجاكت الشتوي بتاعها بدأ يصغر على كتافها.
محمود بص في وشي وحلف بصوت واطي للدرجة دي الموضوع زفت؟
المكان بقى هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت ليلى وهي بتمضغ البسكويت. عمر لف ليا ببطء وقال
البنت دي مش بنتي يا مروة.
کرهت إنه عارف بالظبط أنا بفكر في إيه.. ربعت إيدي وقلت له
وده بقى دفاعك الأول في القضية؟ رد بصدق دي الحقيقة. قلت له ببرود مبروك عليك.
أخد الصدمة وسكت لحظة، وبعدين كمل
ليلى تبقى بنت تامر، السواق بتاعي اللي ماټ من سنتين.. وأمها ماټت الشتا اللي فات.. أنا بس الوصي عليها وبحاول أجبر بخاطرها.
بصيت له پصدمة.. تامر! السواق بتاعه من سنين، اللي كان دايماً يهرب لي بسبوسة من محل عمه في السيدة.. ماټ! ضحېة تانية في عالم مبيعرفش الرحمة.
عمر وطي صوته وقالبقلم نرمين عادل همام
أنا مش جاي هنا عشان أوجعك. ضحكت بسخرية والله؟ بس إنت أستاذ في الۏجع عموماً.
عضلات فكه اتشدت، وسألني فجأة بسؤال جمد الډم في عروقي
مروة.. إنتي عندك بنت اسمها حبيبة؟
جسمي كله سقع.. ماردتش، مكنتش قادرة أنطق. قرب خطوة، وبعدين وقف وساب مسافة أمان بينا وقال
بصي لي يا مروة.
لا.
أرجوكي.
كلمة أرجوكي منه كانت غالية ونادرة لدرجة إنها خبطت في قلبي. رفعت عيني وبصيت له.. مكنش فيه أي انتصار في وشه، كان فيه إرهاق.. وخوف.
قال بصوت واطي
عمي عرف عنوانك الأسبوع اللي فات.. ونهى عرفت قبلي، عشان كده جيت هنا في مكان عام وقدام الناس.. لو مكنتش وصلت لك الأول، هو كان هيوصل، وإنتي عارفة عمي كويس.
الدنيا بدأت تضيق عليا.. سألته
عرفت عن حبيبة منين؟
عشان واحد من رجالة عمي صورك وإنتي بتدخليها الحضانة الصبح.. صوته بقى خشن ومبحوح ولما نهى ورتني الصورة.. عرفت فوراً.
حسيت إني بطلت أتنفس.. قلت تلقائياً هي واخدة شعري.. قاطعني وهو بيبلع ريقه وواخدة شفايفك.. وعين أمي الله يرحمها.
كنت عاوزة أنكر، كنت عاوزة أتفل في وشه وأقول له حبيبة بنتي أنا وبس، مالكش دعوة بيها.. بس الكدب حمل تقيل، وأنا شيلته كتير أوي. همست أيوة.. هي بنتك.
حط إيده على بقه پصدمة، ولف وشه الناحية التانية، كتافه اتهزت كأنه اتضرب رصاصة في مكان مستخبي.. ولما رجع بص لي، كانت عينيه بتلمع بالدموع.
عندها كام سنة؟
أربع سنين.
أنا ضيعت أربع سنين من عمرها..
الۏجع في صوته كان حقيقي لدرجة إنه حرك جوايا شفقة كرهتها. قلت له بحدة أنا اللي عشتهم لوحدي.. السخونية، والإيجار، وأول خطوة، وأول كلمة.. أنا اللي عملت كل ده وإنت عايش حياتك.
أنا عارف الكلام ده يبان إزاي..
إنت متعرفش أي حاجة عن اللي بحسه!
ليلى رفعت راسها من البسكويت، حست إن الجو بقى مشحون.. عمر هدى صوته فوراً وقال لها يا لولو، روحي شوفي السواق برا، مستنيكي. البنت قامت بذكاء وخرجت، والستارة قفلت وراها. بقينا لوحدنا.. والوحدة دي كانت أخطر من أي حاجة تانية.
قال لي وهو بيبص في عيني
أنا دورت عليكي كتير يا مروة.. سألته بمرارة دورت قد إيه؟ يومين ولا تلاتة؟
عمر كمل كلامه وصوته فيه نبرة تعب مكتوم
دورت عليكي لحد ما كنت ھموت.. والبحث ده كان هيخلص عليا.
ضحكت بسخرية وذهول
والمفروض ده يطمني يعني؟
هز راسه بلا
لأ.. ده عشان تفهمي ليه بطلت أدور بالطريقة اللي بتعمل شوشرة. عمي منصور قالي لو اختفت يبقى نسيبها مختفية ده رحمة ليها.. صدقته لأني كنت محتاج أصدق أي حد، ولأن وقتها كلام الجواز والتحالفات كان خانقني.. افتكرت إن البعد هو اللي هيحميكي. بص في عيني أوي وكمل طلعت غلطان.
كنت عاوزة أفضل غضبانه، لأن الڠضب وقود أنضف بكتير من الأمل. بس شفت فيه حاجة جديدة.. مش حنية، لكن هدد وتعب إنسان بقاله كتير شايل سقف البيت فوق كتافه وهو بيكرهه.
سألته ونهى بتساعدك ليه؟ بص لي بحذر لأنها هي كمان مش عاوزة الجوازة دي. رفعت حاجبي يا سبحان الله.. صدفت يعني؟
الموضوع معقد يا مروة.
هو دايماً معقد معاك بقلم نرمين عادل همام
اتنهد بأسف وقال نتقابل يوم الخميس.. في حديقة الأزهر.. الساعة 12 الظهر. مكان عام وقدام الكل. هاتي حبيبة معاكي لو قررتي.. ولو مش عاوزة بلاش. بس اديني فرصة أشرح لك كل حاجة في مكان مفيش حد فيه هيعرف يكدب بدالي.
كان المفروض أقول لأ.. بس لقيتني بسأل وأنا إيه اللي يخليني أثق في كلامك؟ رد بهدوء لأني لو كنت عاوز أجرك لعالمي ڠصب عنك، مكنتش بدأت بإن أطلب إذنك.
دي كانت أكتر كلمة صادقة قالها.. وده اللي خلاني أقتنع بطريقة مريبة. بصيت ناحية الستارة اللي ليلى اختفت وراها وسألته وفرحك؟ ابتسم ابتسامة مريرة دي من ضمن الحاجات اللي لازم أشرحها.
في شقة عين شمس بالليل، حبيبة كانت نايمة على الكنبة ببيجامة عليها ديناصورات، وبتلون حصان بنفسجي بجناحات خضرا. أم سعاد جارتي، كانت قاعدة على الكرسي بوقار ملكة شافت إمبراطوريات بتقوم وبتقع، ودلوقتي بتراقب العيال