معناه امل

 

اتحولت من لوم لټهديد بإنهم هيتبروا مني لو مظهرتش في خطوبة سارة الرسمية قدام عيلة هاني.
يوم الخميس، وأنا في نص ورديتي في المستشفى، لقيت بابا واقف قدام مكتب التمريض. وشه كان باهت، وعينه لسه فيها نفس نظرة الضحېة اللي بيستخدمها عشان يخليني أتنازل.
قال بصوت واطي عشان الزملاء يا أمل، عيب اللي بتعمليه ده.. هتفضحيني قدام الناس؟ هاني سأل عليكي والنهاردة قراية الفاتحة والشبكة.. اجهزي وهعدي عليكي.
بصيت له بمنتهى الهدوء، الهدوء اللي بييجي بعد الصدمة الكبيرة. قلتله أنا مش جاية يا بابا.. والورق اللي بعته لأحمد، المحامي بتاعي استلمه الصبح.
وشه اتغير تماماً، العروق في رقبة بابا ظهرت وصوته اتنبح محامي؟ بتدخلي غريب بيننا يا أمل؟ دي أختك! إنتي عايزة تخربي بيتها قبل ما يتبني؟
رديت عليه وصوتي ثابت إنتوا اللي خربتوا بيتي من قبل ما يتبني لما سرقتوا حلمي واديتوه لغيري.. الفلوس اللي في البنك دي حقي، وشقة جدي مش هتنازل عن سنتيمتر واحد فيها.. سارة عايزة تتجوز؟ تتجوز على قدها، أو هاني يوريها البريستيج اللي هو عايشه.
سابني ومشي وهو بيتحسبن عليا، وكأني أنا الظالمة.
رجعت البيت لقيت أحمد مستنيني، كان جايب بيتزا وجايب معاه ملف صغير تاني.
قالي أنا شوفت المحامي، وقالي إن موقفنا قانوني تماماً.. بس فيه حاجة تانية لازم تعرفيها.
فتح الملف، ولقيت كشف حساب قديم باسمي.. بس مش اللي بابا كان بيحكي عنه. بابا كان بيسحب من الحساب ده من سنين، مش عشان يجهز سارة، لأ.. ده كان بيسحب عشان يسدد ديون قمار وخسارات في البورصة كان مخبيها عننا كلنا.
يعني صندوق الزفاف اللي كنت بحلم بيه مكنش موجود أصلاً من خمس سنين، وكل اللي قاله في العشا كان تمثيلية عشان يغطي على إنه صرف الفلوس، وكان عايزني أتنازل عن الشقة عشان يسكت سارة ومتاخدش نصيبها هي كمان وتكتشف إنه ضيع فلوسنا كلنا.
سندت راسي على الكنبة وغمضت عيني. الۏجع مكنش عشان الفلوس، الۏجع كان على العمر اللي عشته بصدق كدبة كبيرة.
أحمد قعد جنبي وحط إيده على كتفي أنا معاكي يا أمل.. وفرحنا هيتعمل، وهيكون أحلى فرح، بس بفلوسنا إحنا.. ومن غير تمثيل.
مسحت دموعي وبصيت له.. لأول مرة حسيت إن المسؤولية الحقيقية هي إني أحمي نفسي من الناس اللي كان المفروض هما اللي يحموني.
قلت له أنا مش عايزة فرح يا أحمد.. أنا عايزة نبدأ حياتنا صح.. والفلوس اللي هنرجعها من حق الشقة، هنخليها لمستقبلنا إحنا.. مش لمظاهر كدابة.
وفي اللحظة دي، عملت بلوك لكل أرقامهم. مكنتش نهاية القصة، كانت بداية حياتي أنا.
بعد الحفلة البسيطة، رجعت أنا وأحمد شقتنا الجديدة. الشقة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت ضحكنا وخططنا لبكرة. لأول مرة من سنين، نمت وأنا مش شايلة هم مكالمة تليفون تطلب مني فلوس أو مشكلة لازم أحلها.
بعد شهر، وأنا في المستشفى، لقيت ممرضة زميلتي بتقولي إن فيه ست كبيرة عايزة تقابلني بره. طلعت ولقيتها ماما. كانت خاسة جداً، ولبسها اللي دايماً كان شيك ومكوي، كان باهت ومتبهدل.
قعدنا في كافيتريا المستشفى، وفضلنا ساكتين فترة، لحد ما هي بدأت الكلام وهي باصة في الأرض أمل.. باباكي حالته صعبة، والسكر أثر على عينه ومبقاش بيشوف كويس.. وسارة نزلت تشتري لبس وتبيعه عشان تصرف على البيت، بس مش مكفي.
بصيت لها وقلت بصوت خالي من أي انفعال ليه بتكيلي لي الكلام ده يا ماما؟
دموعها نزلت وقالت إحنا آسفين يا بنتي.. إحنا ظلمناكي، وكنا فاكرين إنك جبل هيستحملنا دايماً.. بس
الجبل انهار فوق دماغنا كلنا. إحنا مش عايزين فلوس يا أمل، إحنا بس عايزينك ترجعي تسألي علينا.. البيت وحش من غيرك.
في اللحظة دي، حسيت بغصة في حلقي. كان سهل أوي أسوق فيها وأذلها زي ما ذلوني، بس افتكرت إن أحمد قالي اللي يغلط في حقك اقطعي علاقته بيكي عشان تحمي نفسك، مش عشان ټنتقمي منه.
قلت لها يا ماما، أنا مسمحاكم على اللي فات، بس اللي انكسر مبيتصلحش.. أنا هبعت لبابا دكتور زميلي يتابع حالته في البيت، وهبعت لكم مبلغ شهري من نصيبي في إيجار شقة جدي اللي المحامي أجّرها.. لكن إني أرجع أعيش دور المنقذة وأشيل شيلة مش شيلتي، ده مش هيحصل تاني. أنا ليا بيت وليا راجل وليا حياة، ودول الأولوية.
ماما هزت راسها وكأنها كانت متوقعة الرد ده، قامت ومسحت دموعها وقالت لي حقك يا بنتي.. إحنا اللي ضيعناكي من إيدينا.
لما رجعت لأحمد وحكيت له، حضنني وقالي ده الصح يا أمل.. الواحد بيسامح عشان قلبه ينضف، بس بيفضل فاكر عشان ميغلطش نفس الغلطة تاني.
النهاردة، وأنا بكتب مذكراتي، وببص على بطني اللي بدأت تظهر فيها ملامح طفلي الأول، قررت حاجة واحدة.. إن ابني أو بنتي عمرهم ما هيسمعوا جملة أخوك محتاج أكتر منك.. هعلمهم إن كل واحد له حقه، وإن الحب مش معناه الاستغلال.
أنا أمل، الممرضة اللي داوت چروح الناس سنين، وأخيراً.. داوت جرحها هي.
تمت.