طمع المعاش حكايات صافي هاني


هحج، هعيش اللي فاضل لي بكرامتي.. والبيت ده طول ما أنا عايشة، رجلك ما تخطاهوش إلا لو جاية تسألي على أمك وبس.. من غير شنط، ومن غير طلبات.
قمت وفتحت باب الشقة، وشاورت لهم لبره
يالا يا منة.. خدي بتاعك واطلعي بره.. واتعلمي إن اللي يبص في لقمة اللي رباه، لا بياكلها ولا بتشبع عينه.
خرجوا والكسرة والغل باينين عليهم، قفلت الباب وراهم بالمفتاح، وسجدت لربنا سجدة شكر طويلة.. لأول مرة من سنين، أحس إن البيت فعلاً هدي.. وإني أخيراً حرة.
بعد ما قفلت الباب، قعدت على الكنبة اللي كان أحمد متربع عليها من شوية.. حسيت بتقل اتشال من فوق صدري، بس في نفس الوقت حسيت بۏجع الأم اللي بتكتشف إن زرعها طلع مر.
فات أسبوع.. وتليفوني مابطلش رن.
منة كانت بتبعت رسايل كلها استعطاف يا ماما أنا بنتك الوحيدة، يا ماما العيال بيسألوا عليكي، يا ماما أحمد كان مضغوط في الشغل ومقصدش.
كنت بقرأ الرسايل وأنا ببتسم بمرارة، لأنها في وسط الكلام كانت بترمِي جملة زي طب بس نلغي العقد اللي عملتيه للجمعية عشان نأمن مستقبل العيال. لسه برضو عينيها على اللي في إيدي، مش على اللي في قلبي.
في يوم، جالي خبط على الباب.. كانت الحاجة زينب جارتي، ومعاها صينية بسبوسة.
دخلت وقعدت وقالت لي سمعت اللي حصل يا أم منة.. شابة برافو عليكي، بس هتقدرِي تعيشي لوحدك؟
بصيت لها وقلت لها يا زينب، أنا بقالي ٤٠ سنة في وسط دوشة المستشفيات وأنين المرضى، وعمري كله ضاع في خدمة ناس مابيشكروش.. أنا دلوقتي مش لوحدي، أنا مع ربنا ومع نفسي اللي ظلمتها كتير.
قررت أنفذ اللي في الدوسيه..
أول قبض للمعاش، خدت منه مبلغ وطلعت بيه على دار الأورمان، واتفقت معاهم على كفالة طفلين يتيمين بانتظام. ال ٥٠ ألف جنيه اللي كانوا شايفينهم كتير على فرد واحد، بقوا بيفتحوا بيوت تانية ويدخلوا الفرحة على قلوب محتاجة فعلاً.
وضبت الشقة، دهنتها الألوان اللي أنا بحبها مش اللي تمشي مع الموضة عشان خاطر أحمد ومنة. اشتريت كام زرعة حطيتهم في البلكونة، وبقيت أشرب القهوة بتاعتي الصبح وأنا بسمع إذاعة القرآن الكريم بذهن صافي.
منة لسه بتحاول، بس أنا حطيت حدود..
بقت لما تيجي، تدخل تقعد في الصالة، لا بتفتح تلاجة ولا بتدخل أوض. بقت ضيفة.. والضيف ملوش إنه يغير ديكور البيت ولا يسأل صاحب البيت إنت شايل كام في البنك؟
عرفت ساعتها إن الأهل مش بس پالدم، الأهل هما اللي يشيلوك وإنت حي، مش اللي يستنوا موتك عشان يورثوك.
رفعت راسي للسما وقلت الحمد لله يا رب.. الواحد بيعيش العمر كله يتعلم، وأنا اتعلمت إن الراحة مابتجيش بالفلوس، الراحة بتيجي لما تنضف حياتك من أي حد بيحبك عشان مصلحته، حتى لو كان أقرب الناس ليك.
تمت.