بنت الأصول حكايات لوجينا ماضي


ياسين دخل عليا وعلى وشه ابتسامة هادية، وقال لي يا ست ماريا، إحنا عملنا حملة تبرع وتجهيز باسمك لكل المرضى غير القادرين في المستشفى، ودي هدية بسيطة من رجالتنا ليكي وللمكان اللي بيحترم آدمية البشر.
الخبر انتشر في المنطقة كلها، وبقت الناس تيجي المستشفى وهي مطمنة إن فيه قلب أم بيحرسهم.
أما الدكتور بيتون والمدير، فسمعت إنهم اتمنعوا من ممارسة المهنة ودخلوا في قضايا تعويضات، وده كان العدل اللي ربنا وعد بيه.. ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
وفي ليلة من ليالي الشتا، صوفيا بنتي جت لي المكتب ومعاها شهادة تخرجها من كلية الطب، حضنتني وهي بټعيط وبتقول لي أنا بقيت دكتورة يا ماما، وأول درس اتعلمته مش في الكتب، اتعلمته منك يوم ما وقفتي قدام الظلم وقلتي لأ.
بصيت لصورة قديمة لينا على المكتب، وافتكرت اللحظة اللي كنت فيها واقفة في الشارع بشنطة هدومي والأمن بيخرجني.. ضحكت من قلبي وقلت في سري يا سبحان مغير الأحوال.
ربنا دايما بيختبر صبرنا، ويحطنا في مواقف صعبة عشان يطلع أجمل ما فينا، وعشان يعرفنا إن الدنيا لسه بخير طول ما فيه قلوب پتخاف الله وتراعي ضميرها.
خرجت من المستشفى في آخر الوردية، بصيت للسما وقلت الحمد لله على نعمة الحق، والحمد لله إننا في بلد مهما حصل فيها، بيفضل فيها ولاد الأصول ساندين بعضهم. وقفت تاكسي وروحت لبيتي وأنا عارفة إن قصتي مخلصتش، دي لسه بتبدأ بكل خير.
وبعد سنين، لما طلعت معاش، المستشفى مسمتش الجناح الجديد بتاع الطوارئ جناح الأمل ولا جناح الرحمة، سموه جناح ماريا.. عشان يفضل كل ممرض ودكتور داخل من الباب ده يفتكر إن فيه ست مصرية أصيلة، وقفت في وش تيار الظلم وهي معندهاش غير كلمة حق ويقين في الله.
يوم تكريمي، القائد ياسين جه ومعاه ابنه، الشاب اللي أنقذته، وكان لابس بدلة التخرج بتاعته. قرب مني وباس إيدي قدام كل الدكاترة والمسؤولين وقال الست دي هي اللي علمتني إن الحياة مش بس نفس طالع وداخل، الحياة هي موقف وشرف.
صوفيا بنتي كانت واقفة جنبي، لابسة بالطو الطب الأبيض، وبتبص لي بنظرة كانت تسوى عندي كنوز الدنيا كلها. في اللحظة دي، شريط العمر مر قدام عيني.. شفت الۏجع، والتعب، والليل اللي مبيخلصش، واللحظة اللي كنت فيها هفقد الأمل.
بس النهاردة، وأنا واقفة وسط ولادي وزمايلي، عرفت إن الحق عامل زي الشمس، ممكن السحاب يغطيها شوية، بس لازم تطلع وتنور الدنيا كلها.
خرجت من باب المستشفى للمرة الأخيرة، بس المرة دي مكنش ورايا أمن بيجرجرني، كان ورايا جيش من القلوب اللي بتدعي لي. بصيت على يافطة المستشفى للمرة الأخيرة، وابتسمت وأنا حاسة إن رسالتي وصلت.
مشيت في شوارع مصر، وسط زحمتها وناسلها الطيبة، وأنا كلي فخر إني كنت في
يوم من
الأيام ممرضة.. إني كنت الشخص اللي ربنا سخرّه عشان يطمن خاېف، ويداوي موجوع، وينصر حق كان هيضيع.
دي حكايتي، مش حكاية رفد وظلم، دي حكاية جبر الخواطر اللي مبيجيش غير من عند رب كريم.. والحمد لله رب العالمين.
بنت الأصول حكايات لوجينا ماضي