رواية كامله


مش ثقة يا نورهان، دي قسۏة.
وشها احمر وقالت ماكنتش أعرف إن الموضوع خطېر للدرجة دي.
رديت عشان ما سألتيش.
الأوضة سكتت تماماً.
بعد ما مشوا، كنت فاكرة إني هنهار، بس بالعكس.. نمت 13 ساعة متواصلة.
فترة التعافي كانت صعبة جداً. اضطررت أتعلم التوازن من جديد، كنت بنسى الكلام في نص الجملة، والنور العالي كان بيتعبني. ساعات كنت بصحى غضبانه على جسمي اللي خانني، وساعات كنت بفهم إن جسمي كان بيحذرني من شهور، وأنا اللي كنت متعودة أتجاهل الۏجع.
جدي فضل جنبي طول الوقت. ومريم كانت بتجبلي أكل، وهدوم نظيفة، وتحكيلي أخبار الدنيا بره. علقت ورقة على حيطة الأوضة مكتوب فيها إنتي مابتتحبيش بصعوبة.. هما اللي ماعرفوش يحبوا.
كنت بقراها كل يوم.
بعد أسبوع من خروجي من المستشفى، جدي أداني الظرف اللي كان جايبه في التخرج. كان فيه صورة لجدتي وهي شيلاني وأنا لسه بيبي، كانت بتبصلي كأني أغلى حاجة عندها.
وكان فيه جواب.
بدأ ب حبيبتي سارة.. لو بتقري الجواب ده، عايزك تعرفي إنك كنتي غالية ومحبوبة من قبل حتى ما تفتحي عينيكي على الدنيا.
هنا بس انهرت من العياط. مش عشان أهلي، بس عشان في حد حبني من غير ما أحاول أستحق الحب ده.
الجواب ده غير فيا كل حاجة.
بطلت أشحت الحب من حد.
لما بابا كلمني يوم الثلاثاء اللي بعده، رديت بس ماحاولتش أواسيه. عيط واعتذر.. قلت له إن الاعتذار مش نمرة بتتعمل مرة وخلاص، الاعتذار بيبان في الأفعال. لو عايز علاقة بجد، ممكن يكلمني كل ثلاثاء يسأل عليا، من غير ما يجيب سيرة الذنب، ولا نورهان، ولا ماما.
وفعلاً بدأ يعمل كدة.
في الأول المكالمات كانت تقيلة ورسمية، بعدين بقت صريحة، وبعدين بقت دافية شوية. اعترف بحاجات كنت مستنية أسمعها طول عمري.. إنه خذلني، وإنه استخبى ورا جبنه، وإن رؤيتي وأنا بمۏت خليته يفهم إن السكوت ساعات بيبقى چريمة.
ماما ماتغيرتش بسهولة. كانت بتبعت رسايل طويلة عن الۏجع والأمومة والسماح. رديت عليها مرة واحدة التعافي بيخليني أفهم ليه عملتي كدة، بس مابيدكيش الحق إنك تأذيني.
نورهان عملتلي بلوك في كل حتة.
بعد تمن شهور، خطوبتها باظت وتامر سابها بعد ما اكتشف إنها كانت بتستخدم الكريدت كارد بتاعه عشان تدفع حجوزات فرح هي أصلاً ما تقدرش على تمنها. كلمتني نص الليل وهي بټعيط بحړقة لدرجة إني م عرفتش صوتها.
سارة القديمة كانت هتجري تنقذها.
أما سارة الجديدة ف فضلت ساكتة وبتسمع.
لما سألتني ممكن تصلحي الموضوع؟
قلت لها لأ.. بس أتمنى إنك المرة دي تتعلمي منه.
وقلفت السكة من غير ما أحس بأي ذنب.
بعد سنة، كنت واقفة في فصلي، مدرسة لغة عربية، وبكتب جملة على السبورة كل صوت له قيمة.
طالب هادي اسمه ياسين سألني بعد الحصة يا ميس، هو إنتي عمرك حسيتي إنك مش متشافة؟
بصيت له وافتكرت الكراسي الفاضية في
تخرجي، وشيكات المصاريف اللي اتسرقت، وأوضة المستشفى اللي كلها أجهزة، وجواب جدتي اللي شايلاه في درج مكتبي.
قلت له آه.. لوقت طويل جداً.
سألني وعملتي إيه؟
قلت له دورت على الناس اللي بيقدروا يشوفوني بجد.. وبعدين اتعلمت أشوف نفسي.
دي الحقيقة اللي كنت أتمنى حد يقولهالي بدري. ساعات الناس اللي المفروض يحبوك بيكونوا هما نفسهم مكسورين، أو أنانيين، أو أجبن من إنهم يحبوا صح. ده مش معناه إنك ماتتحبش، ده معناه إنك كنت بتطلب الحب من إيد فاضية مابتملكش اللي تديهولك.
أنا نجيت من الورم.. ونجيت من الخېانة.. ونجيت من إني أكون مجرد حمل تقيل في عيلتي.
ودلوقتي، لما بتكلم، مابقتش أسأل نفسي مين بيسمعني.
أنا بقيت أسمع نفسي الأول.
قولولي كنتوا هتعملوا إيه مكاني؟ وشيروا القصة دي لو شايفين إن كل طفل تم تجاهله يستحق إن صوته يوصل.