قالت ابنتي إن سنّها يؤلمها لكن ما حدث داخل العيادة جعلني أذهب إلى الشرطة فورًا


دون أن ينظر إليّ، ثم الټفت إلى ليان وقال بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية
أرأيتِ؟ لا شيء يستحق القلق.
لم تجبه.
كانت تنظر إلى النافذة بصمت
نظرتُ إليهما من المرآة، وشعرت بأن المسافة بينهما، رغم قربهما، أبعد مما ينبغي.
قلت بهدوء
قال الطبيب إن نعود إن استمر الألم.
أجاب سالم بسرعة، وبنبرة أقرب إلى الحسم منها إلى الطمأنينة
لن يستمر.
توقفتُ عند طريقته في الكلام لم تكن إجابة عادية، بل كانت أشبه بمعرفة مسبقة، أو يقين لا يترك مجالًا للاحتمال.
لم أعلّق.
طوال الطريق، كنت أشعر بوجود الورقة في جيبي، كأنها شيء حيّ ينتظر أن ألتفت إليه، وكأنها تحمل ثقلًا أكبر من حجمها بكثير.
وصلنا إلى المنزل.
دخل سالم أولًا، واتجه مباشرة إلى غرفة النوم دون أن يبدّل ملابسه أو يتحدث، وكأنه يريد أن يبتعد بسرعة، أو كأن وجوده معنا في نفس المكان أصبح يثقل عليه.
أما ليان، فتوجهت إلى غرفتها بهدوء غير معتاد، وأغلقت الباب خلفها دون أن تلتفت.
وقفتُ في الصالة وحدي.
لثوانٍ لم أتحرك.
ثم أخرجت الورقة.
كانت مطوية بعناية، كما وضعها الطبيب تمامًا، وكأنه كان يعلم أنني سأفتحها بعيدًا عن أي عين.
فتحتها ببطء وقرأت
الألم ليس سببه السن راقبي سلوكها جيدًا، وإن لاحظتِ ما أشك فيه، اذهبي إلى الشرطة فورًا دون مواجهة أحد.
شعرت بأن الهواء من حولي قد تغيّر.
أعدت قراءة الجملة مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وكأنني أحاول أن أجد تفسيرًا أبسط، معنى أقل قسۏة، لكن الكلمات كانت واضحة، لا تقبل التأويل.
ليس سببه السن.
إذًا ما الذي يسببه؟
وما الذي شكّ فيه الطبيب حتى يطلب مني الذهاب إلى الشرطة دون مواجهة أحد؟
رفعت رأسي ببطء، ونظرت نحو الممر المؤدي إلى الغرف، وشعور ثقيل بدأ يستقر في صدري، شعور لم يكن خوفًا فقط، بل بداية إدراك أن هناك شيئًا يحدث داخل هذا المنزل وأنا آخر من يعلم.
في تلك اللحظة، لم أصرخ، لم أندفع، لم أفتح باب غرفة ليان.
بل فعلت شيئًا واحدًا فقط
قررت أن أراقب.
في المساء، جلسنا على المائدة كالمعتاد، وكان كل شيء يبدو طبيعيًا لمن ينظر من الخارج، أطباق مرتبة، وصوت الملاعق، وحديث خفيف يحاول أن يملأ الصمت.
سالم كان يتحدث عن عمله، كأنه لم يكن متوترًا قبل ساعات، وكأن شيئًا لم يحدث، بينما كانت ليان تأكل ببطء، تتجنب المضغ على جانب معين، وتضع يدها أحيانًا على فمها دون وعي.
راقبتها.
وفي كل مرة كان سالم يوجّه لها سؤالًا، كانت ترفع عينيها إليه أولًا، تنتظر ثم تجيب.
تنتظر ماذا؟
الإذن؟
أم الخۏف من شيء؟
بعد العشاء، قالت إنها تريد أن تنام مبكرًا، وهو أمر لم تعتد عليه، لكنها لم تنتظر ردًا، بل ذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب.
سالم بقي في الصالة قليلًا، ثم نظر إليّ وقال
سأنام.
أومأت.
راقبته وهو يختفي داخل الغرفة، ثم انتظرت.
انتظرت حتى هدأ كل شيء في المنزل، حتى خفّت الأصوات، وحتى شعرت أن الليل قد استقر.
عندها