قسّموا ميراث أبي أمامي وأعطوني خزانة مکسورة

خرجتُ من بيت أبي وأنا أسحب خلفي الخزانة الحمراء القديمة
لكنني لم أكن أسحب قطعة أثاث.
كنتُ أسحب آخر ما تبقّى من رائحة أبي.
كان عمي يساعدني بصمت، وكلما اصطدمت الخزانة بدرجة من درجات السلم، كانت تُصدر صوتًا أجوف صوتًا غريبًا جعلني ألتفت إليها أكثر من مرة.
قال عمي وهو يلتقط أنفاسه
يوسف متأكد بدك تاخذها؟ والله شكلها پتنهار بالطريق.
قلت وأنا أنظر للخشب المتقشر
هاي إلها عندي قيمة.
هزّ رأسه وقال بهدوء
أبوك كان يحبها ما كان يسمح لحد يفتحها غيره.
توقفت للحظة.
حتى أمي؟
نظر إليّ عمي بسرعة، ثم أشاح بوجهه.
الله يرحمه كان عنده أشياء يحب يحتفظ فيها لنفسه.
لم أفهم معنى كلامه وقتها، لكن الجملة بقيت عالقة في رأسي.
وضعنا الخزانة فوق سيارة نقل صغيرة استأجرتها من آخر الشارع.
ومن بعيد، رأيت أمي تقف على باب البيت.
لم تلوّح لي.
لم تسألني إن كنت بحاجة للمساعدة.
لم تقل حتى الله معك.
كانت فقط تنظر إلى الخزانة.
ليس إليّ بل إليها.
وكأنني لم آخذ ميراثي
بل أخذت سرًّا كان يجب أن يبقى مدفونًا.
وصلتُ إلى شقتي الصغيرة بعد العصر.
الشقة التي كنت أستأجرها في حي شعبي هادئ، بعيدة عن بيت العائلة وعن ضجيجهم وعن نظراتهم التي جعلتني دائمًا أشعر أنني أقل منهم.
ساعدني السائق في إنزال الخزانة، ثم غادر.
بقيتُ وحدي أمامها.
كانت واقفة في منتصف الصالة، مائلة قليلًا، كأنها عجوز متعبة وصلت أخيرًا إلى مكان آمن.
جلست على الأرض أمامها.
لم أفتحها فورًا.
لا أعرف لماذا.
ربما كنت خائفًا أن أجدها فارغة
فأكتشف أنني خسړت كل شيء حقًا.
أو ربما كنت خائفًا أن أجد فيها شيئًا لا أستطيع احتماله.
مددت يدي أخيرًا وفتحت الباب الأيمن.
صرير طويل خرج من المفصلات، كأنه أنين قديم.
في الداخل، لم يكن هناك شيء مهم.
قميص أبي الرمادي.
جاكيت صوفي كان يرتديه في الشتاء.
كيس بلاستيك فيه بعض الأدوات القديمة.
مفك.
متر قياس.
علبة مسامير صدئة.
وصورة صغيرة له وهو شاب، يقف بجانب أمي في أول زواجهما.
أخذت الصورة.
كان أبي يبتسم.
ابتسامة لم أرها كثيرًا في سنواته الأخيرة.
أما أمي فكانت تنظر للكاميرا بفخر، كأن الدنيا كلها بين يديها.
وضعت الصورة جانبًا، ثم فتحت الباب الآخر.
أرفف خشبية قديمة.
بعض الجرائد.
دفتر مواعيد قديم.
زجاجة عطر فارغة.
مصحف صغير بغلاف أخضر.
ولا شيء آخر.
ضحكت بصوت خاڤت.
قلت لنفسي
حتى الخزانة طلعت فاضية يا يوسف.
لكن وأنا أغلق الباب، سمعت الصوت مرة أخرى.
صوت أجوف.
طرقت بيدي على جانب الخزانة.
خشب عادي.
طرقت على الظهر.
صوت مختلف.
أعدت الطرق.
هنا كان الصوت أعمق.
وقفت.
سحبت الخزانة قليلًا بعيدًا عن الحائط، ثم دققت النظر في ظهرها.
كان هناك لوح خشبي مثبت بمسامير قديمة، لكن شيئًا فيه لم يكن طبيعيًا.
المسامير لم تكن من نفس النوع.
بعضها أحدث من الباقي.
أحضرت المفك من كيس أدوات أبي، وبدأت أفك المسامير واحدًا واحدًا.
كان قلبي يدق بسرعة غريبة.
كل مسمار يسقط على الأرض كان كأنه يفتح بابًا في الماضي.
وبعد دقائق، تحرك اللوح.
شدَدته بيدي.
خرج بصعوبة.
وخلفه
تجمدت.
لم يكن خلف الخزانة فراغ عادي.
كان هناك تجويف مخفي، ملفوف بقطعة قماش بيضاء.
مددت يدي ببطء وسحبت اللفة.
كانت ثقيلة.
جلست على الأرض، وفتحتها.
أول ما ظهر كان ظرفًا بنيًا كبيرًا، مكتوبًا عليه بخط أبي
إلى يوسف إن وصلتك هذه الخزانة.
شعرت أن الهواء اختفى من الغرفة.
قرأت الجملة مرة مرتين عشر مرات.
إلى يوسف.
يعني أبي كان يعرف.
كان يعرف أنني سأختارها؟
أم كان يعرف أنهم سيتركونها لي؟
فتحت الظرف ويدي ترتجف.
كان بداخله مفتاح صغير وفلاشة سوداء وورقة مطوية بعناية.
فتحت الورقة.
كان خط أبي واضحًا، رغم ارتجافه في بعض الكلمات.
ابني يوسف
لو كنت تقرأ هذه الرسالة الآن، فهذا يعني أنني رحلت وأنهم أعطوك الخزانة كما توقعت.
لا تحزن.
ما تركوه لك ليس قليلًا.
بل تركوا لك ما لم يعرفوا قيمته.
سامحني لأنني لم أتكلم في حياتي.
كنت أرى كل شيء ظلمهم لك، تعبك،