النشابة والكرامة حكايات انجى الخطيب


حقيقي، مش تمثيل المرة دي، شافت خوف الست اللي كبرت وحست إنها هتقضي اللي فاضل من عمرها وحيدة بعيد عن حضڼ ابنها.
روحية مدت إيدها المرتعشة، لمست مكان الچرح في راس سمر، وقالت بصوت مبحوح حقك عليا يا سمر.. أنا كبرت وخرفت، والوحدة والۏجع خلو عيني عميت عن حلاوتك. متزعليش مني يا بنتي، أنا ماليش غيركم.
سمر بصت لمحمود اللي كان واقف محپوس الأنفاس، وبعدين بصت للحاج عبد الحميد، وخدت نفس طويل، وراحت ميلة على إيد حماتها باستها وقالت مسامحة يا ماما.. إحنا أهل، والظفر مبيطلعش من اللحم. بس اللي بينا لازم يكون بالمعروف، عشان المركب تمشي.
منال وشها جاب ألوان وسكتت خالص، والحاج عبد الحميد ابتسم وقال عفا الله عما سلف. محمود، الفيشة دي متتشدش تاني، والسماعات دي تترمي في الدرج وقت ما تكون بره مكتبك. البيت ده محتاج ودن تسمع، مش بس عين تشوف.
بعد ما الكل مشي، وفضلت روحية في أوضتها بهدوء، وقف محمود وسمر في البلكونة بيشموا هوا الفجر. محمود لف دراعه حول سمر وهمس كنت خاېف متسامحيش.
سمر بصت للسما وقالت شدة الفيشة مكنتش عشان أقطع الكهرباء يا محمود، كانت عشان أنور البصيرة. والنهاردة، النور بقى في كل حتة.. المهم نفضل محافظين على اللمبة من غير ما تتحرق تاني.
ضحك محمود وسند راسه على راسها، وفي اللحظة دي، كيس الژبالة اللي كان سبب الحريقة، بقى مجرد ذكرى مضحكة لليلة، الست فيها قررت إنها مش هتكون ضحېة، والراجل قرر إنه أخيراً.. يسمع.
بعد مرور شهر على تلك الليلة، كان البيت قد استعاد نبضه، لكنه نبض جديد، هادئ ورزين. لم تعد روحية ترفع صوتها، بل أصبحت تتحرك بحذر وكأنها ضيفة في مملكة أدركت أخيراً أن لها صاحبة قوية. أما محمود، فقد نقل مكتبه لزاوية تتيح له رؤية الصالة، وأصبح سلك السماعات الطويل ذكرى مركونة في الدرج، يستبدلها الآن بالاستماع لأدق تفاصيل يوم سمر.
في عصر يوم جمعة، كانت سمر تجلس في الشرفة، تمسك بهاتفها وتقرأ بعض الأخبار، حتى وقعت عينها على نشابة خشبية جديدة اشتراها محمود ليعوضها عما حدث. ابتسمت بمرارة وهي تتذكر كيف كانت تلك القطعة الخشبية أداة لكسرها، وكيف أصبحت الآن مجرد أداة في مطبخها، تحت سيطرتها وحدها.
دخل محمود الشرفة وهو يحمل كوبين من الشاي، جلس بجانبها ونظر للسماء الصافية وقال عارفة يا سمر، النهاردة قابلت واحد صاحبي في الشغل، كان بيحكي لي عن مشاكل بيته، وعن مراته اللي دايماً بتشتكي من أمه.. لأول مرة محسيتش إني غريب عن الكلام، ولأول مرة عرفت أنصحه بجد.
سمر بصت له باهتمام وقلت له إيه؟
رد محمود وهو بيرشف من الشاي قلت له إن البيت مش جدران وعفش، البيت ودن بتسمع وقلب بيحس. قلت له إن السماعات اللي بنلبسها عشان نهرب من دوشة العيال أو طلبات البيت، هي في الحقيقة بتبني سد عالي بيننا وبين اللي بنحبهم.. وقلت له أهم حاجة، إن كرامة مراته من كرامته، واللي يسمح بإهانة شريك حياته تحت سقف بيته، يبقى بيمضي قرار إعدام لرجولته قبل بيته.
سمر ابتسمت ولمست إيده بحنان كلام كبير يا محمود.. كأنك كنت محتاج النشابة دي تفوقك.
ضحك محمود بصوت عالي النشابة والفيشة! لولا الفيشة اللي شديتيها، كنت زماني لسه برنس في الخيال، وعايش في مؤتمر مبيخلصش، بينما الحقيقة كانت بتنضرب بره. سمر، أنا عايز أشكرك.. مش بس عشان سامحتي أمي، لكن عشان علمتيني إن الصمت مش دايماً رضا،
وأحياناً بيكون بركان
محتاج بس لمسة عشان ينفجر وينضف كل حاجة.
في اللحظة دي، خرجت روحية من أوضتها، ملامحها كانت أهدأ بكتير، قربت منهم وهي ماسكة طبق فاكهة صغير، حطته قدامهم وقالت بصوت واطي فيه مودة حقيقية كلوا يا ولاد.. الفاكهة دي محمود جابها الصبح وصيتها يختارها مسكرة عشان سمر بتحبها.
بصت سمر لحماتها، وشافت في عيونها محاولة صادقة للتكفير عن اللي فات. مكنتش روحية اتغيرت 180 درجة، لكنها بقت فاهمة إن فيه حدود، وإن الاحترام مبيتجزأش. ردت سمر بابتسامة تسلم إيدك يا ماما، تعالي اقعدي معانا، الجو في البلكونة النهاردة يرد الروح.
قعدوا التلاتة، محمود في النص بين مراته وأمه، في مشهد كان من شهر واحد بس مستحيل يحصل من غير خناق أو دموع. سمر بصت للصالة من باب البلكونة المفتوح، شافت الفيشة ثابتة في مكانها، والنور منور، وكل حاجة تحت السيطرة بجد، مش سيطرة وهمية ورا باب مكتب مقفول، لكن سيطرة الحب اللي بيعرف امتى يشد الفيشة عشان ينقذ مركب بټغرق، وامتى يركبها عشان ينور حياة كاملة.
مرت سنة كاملة على تلك الواقعة التي غيرت مجرى حياتهم. في زاوية الصالة، لم تعد الفيشة مجرد مصدر للكهرباء، بل صارت رمزاً لليقظة. سمر لم تعد تلك الزوجة التي تبتلع ۏجعها في صمت، ومحمود لم يعد ذلك الزوج الذي يختبئ خلف شاشاته، أما روحية فقد تعلمت أن الأمومة حب وليست تملكاً.
في مساء يوم هادئ، كانت سمر تجلس في المطبخ، تعد عجين الفطائر التي يحبها محمود. أمسكت ب النشابة الجديدة، نظرت إليها للحظة، تذكرت الألم القديم، لكنها هذه المرة لم تشعر بالغل، بل شعرت بالقوة. بدأت تفرد العجين بسلاسة، وصوت ضحكات محمود وأمه من الصالة يصل إليها بوضوح.
دخل محمود المطبخ، اقترب منها وهمس في أذنها ريحة الفطير قلبت البيت.. تسلم إيدك يا ست الكل.
التفتت إليه سمر بابتسامة صافية وقالت محمود، أنت عارف إن بكرة ذكرى اليوم اللي شديت فيه الفيشة؟
ساد صمت قصير، ثم قال محمود بنبرة ممتنة ده كان أهم يوم في حياتي يا سمر. اليوم اللي فوقت فيه وشفتك بجد. عارفة؟ أنا بعت السماعات القديمة اللي كانت عازلاني عنك، واشتريت مكانها الراديو الصغير اللي أمتك بتحب تسمعه في الصالة.. عشان نفضل كلنا في هوا واحد.
خرجت سمر للصالة وهي تحمل طبق الفطير الساخن، وضعت الطبق أمام حماتها التي كانت تسبح في هدوء. نظرت إليها روحية وقالت يا بنتي تعبتي نفسك، كان كفاية لقمة جبنة.
ردت سمر وهي تقبل رأسها مفيش تعب يا ماما، أنتِ الخير والبركة.
جلس الثلاثة حول المائدة، في مشهد سينمائي يجسد معنى البيت. لم يعد هناك أبواب مغلقة، ولا صرخات مكتومة. محمود وضع هاتفه بعيداً، وروحية بدأت تحكي حكايات من الماضي بضحكة رقيقة، وسمر كانت تراقبهم بعينين لامعتين بدموع الفرح.
وفي تلك اللحظة، نظرت سمر إلى الفيشة مرة أخيرة. كانت الأنوار مستقرة، والجو مفعماً بالدفء، فأدركت أن القوة ليست في الضړب، ولا في السيطرة، بل في الشجاعة التي تجعلنا نقطع التيار عن كل ما يؤذينا، لنعيد توصيله بكل ما يمنحنا النور والسکينة.
أغلق محمود ستائر البلكونة، وانطفأت أنوار الصالة تدريجياً، ليبقى نور المحبة هو الخيط الوحيد الواصل بين قلوبهم، بعدما تعلموا جميعاً أن الژبالة الحقيقية هي المشاعر المكتومة والظلم، وأن مكانها الوحيد هو خارج عتبة هذا البيت.
تمت.
حكايات انجى الخطيب