ڠضب الاب يكشف السر حكايات انجى الخطيب


ريحة مجاري، دي كانت ريحة كيماوي ومواد حاړقة تخنق الصدر. الظابط غطى مناخيره بمنديل وشاور للعامل ينزل الكشاف. العامل أول ما بص تحت، صړخ ورمى الكشاف من إيده ووقع على ركبه وهو بيستفرغ.
الظابط ياسر قرب وبص، وشه اتخشب وفضل واقف مكانه ثواني مش بينطق، ولف لمحمود اللي كان بيحاول يهرب لولا العساكر اللي قفشوه. الظابط بص لي وقال بصوت واطي ومنبهر أنت كنت عارف إنهم دافنين ده؟
قربت وبصيت.. مكنش ورق، ولا كان دهب، ولا حتى چثة زي ما كنت متخيل. اللي كان في قاع البيارة كانت صناديق معدنية مختومة بختم جهة حكومية، وجواها أجهزة طبية ومحاليل كان المفروض إنها بتتوزع مجانًا في المستشفيات في أزمة الوباء اللي فاتت، بس الشهاوي وعيلته كانوا بيخزنوها عشان يبيعوها في السوق السوداء، والأسوأ إن وسط الصناديق كان فيه أكياس ډم ملوثة ومتهيأة للبيع.
آمال بصت لي بدموع وقالت يا بابا، هما مكنوش بيضربوني عشان لسانها طويل، هما كانوا بيضربوني عشان شوفت محمود وهو بيستلم الصناديق دي من عربية نص نقل في عز الليل، وهددوني لو نطقت هيخلصوا عليا ويلبسوكي قضية شرف.
محمود صړخ وهو بيتقاد للكلبشات مش هسيبك يا حاج! أنت ډمرت عيلة كاملة!
بصيت له وأنا واخد آمال تحت باطي وبمشي بيها ناحية بوابات البيت الكبيرة، وقلت له بكل برود العيلة اللي تتبني على ډم الغلابة وتكسر قلب بنت ملهاش ذنب، متستاهلش غير إنها تتهد.
واحنا خارجين، لمحت عربية سودة تانية خالص واقفة على أول الشارع، إزازها غامق ومفتوح منه حتة صغيرة، وشخص جواها كان بيصور خروجنا بالموبايل، وأول ما عيني جت في عينه، دور العربية وطار. عرفت ساعتها إن محمود ومديحة مكنوش الراس الكبيرة، وإننا واحنا بنقفل باب البيت ده، فتحنا باب حرب تانية مع ناس فوق بكتير، ناس مش هيسكتوا على ضياع صفقة بالملايين بسببي أنا وبنتي.
العربية السوداء اختفت في لمح البصر، وريحة الكاوتش المحروق فضلت مالية الشارع كأنها رسالة ټهديد مكتوبة بالدخان. الظابط ياسر كان مشغول بلم الصناديق والقبض على العصابة اللي بانت فجأة وسط العيلة، مكنش واخد باله إن فيه عين تانية كانت بترقبنا.
ركبت آمال العربية، كانت ساكتة تماماً، سكوت مرعب يخليك تخاف من اللي جاي أكتر من اللي فات. حطيت إيدي على إيدها لقيتها باردة زي التلج. خلاص يا بنتي، خلصنا، والظلم اللي شوفتيه هيترد لهم أضعاف. بصت لي وعينيها فيها نظرة غريبة، نظرة واحد شاف نهاية العالم، وقالت بصوت واطي محمود معاه مفتاح يا بابا.. مفتاح لبيت غير بيتنا، ومكان غير الجنينة دي.. الصناديق دي مجرد فكة بالنسبة للي هما مخبيينه بجد.
وقبل ما أسألها يعني إيه، موبايلي رن. رقم غريب، ملوش هوية. فتحت الخط، مسمعتش صوت، بس سمعت نفس هادي، وبعدين صوت راجل رخيم بيتكلم بلهجة واثقة ومستفزة مبروك يا حاج، نضفت الجنينة، بس ياترى هتقدر تنضف الډم اللي هيسيل لو الورقة التانية مظهرتش؟
ورقة إيه؟ صړخت في الموبايل، بس الخط قطع.
آمال مسكت ياقة قميصي وقالت وهي بتنهج الورقة اللي كانت في جيب الجاكيت يا بابا.. أنت قريت وشها بس، قريت الوصل اللي محمود هدده بيه.. اقلب الورقة.. اقلبها بسرعة!
طلعت الورقة المطوية من جيب الجاكيت بإيد بترتعش، قلبتها الناحية التانية تحت نور كشاف العربية الضعيف. مكنش فيه كلام، كان فيه باركود صغير مطبوع في الركن، وتحته مكتوب جملة واحدة بخط إيد صغير ودقيق المخزن رقم 7 الميناء القديم الأمانة في عهدة الأستاذ.
فجأة، لقيت عربيات البوليس اللي كانت واقفة حوالين البيت بتتحرك بسرعة، والظابط ياسر جالي يجري ووشه مخطۏف يا حاج، جالي أمر فوري بنقل كل المحاضر للنيابة الكلية وإخلاء المكان فوراً.. فيه حاجة غلط بتحصل، كأن فيه حد فوق قوي بيقفل القضية قبل ما تفتح.
بصيت للظابط، وبصيت لآمال، وبصيت للورقة اللي في إيدي. اللعبة مكنتش مجرد تجارة ډم، دي كانت شبكة كبيرة، والوصل اللي كان محمود مهددني بيه مكنش عشان يحبسني، ده كان شيفرة لو حد غريب قراها مش هيفهم حاجة، بس لو وصلت للناس الصح، هتهد كراسي كبيرة مكنتش تخطر على بال بشړ.
وفي اللحظة اللي كنت هتحرك فيها، لقيت كشافات قوية جداً بتنور ورايا، تلات عربيات دفع رباعي سوداء، قفلوا علينا الشارع من الناحيتين، ونزل منهم رجالة لابسين بدل رسمية وسماعات في ودانهم، وقرب واحد منهم من شباك عربيتي، خبط بصباعه على الإزاز، وطلع كارنيه مكتوب عليه جهة سيادية، وقال ببرود يجمّد الډم الحاج إسماعيل؟ الورقة اللي في جيبك دي تخصنا.. انزل بالذوق، أنت وبنتك، عشان فيه حسابات قديمة لازم تتصفى.. دلوقتي حالا.
بصيت لآمال، لقيتها بتبتسم ابتسامة باهتة، وقالت لي بكلمة واحدة خلت شعري يقف أنا عارفة هما مين يا بابا.. وهما مش جايين ياخدوا الورقة.. هما جايين يمسحوا وجودنا خالص.
الراجل اللي لابس البدلة فضل باصص لي بعين مفيهاش ذرة رحمة، وكأنه مستني إني أنفذ الأمر وأنا ساكت. بصيت لآمال، لقيتها غمضت عينيها واستسلمت، كأنها كانت عارفة إن اللحظة دي جاية جاية. مديت إيدي على غيار العربية، وجوايا صراع مرير؛ يا أسلم نفسي وأموت أنا وبنتي في صمت، يا أما أعمل اللي عمري ما تخيلت إني أعمله.
فجأة، وبدون مقدمات، دوست بنزين على آخره. الموتور زأر زي الأسد الجريح، والكاوتش صړخ وهو بياكل في الأسفلت. الراجل اللي واقف اتنطر لورا، وكسرت الدريكسيون ودخلت في ممر ضيق بين البيوت القديمة ميمشيش فيه غير عجلة. العربيات الدفع الرباعي حاولت تلف ورايا، بس حجمهم خذلهم، وسمعت خبط الصاج بتاعهم في الحيطان وهما بيحاولوا يحصلوني.
بابا أنت بتعمل إيه؟ آمال صړخت وهي ماسكة في الكرسي.
مش هسيبك ليهم يا بنتي.. حتى لو كان ده آخر يوم في عمري! رديت وأنا عيني مش شايفة غير الطريق اللي بدأ يضيق أكتر وأكتر.
وصلنا لمنطقة المقاپر، الدنيا كانت لسه ضلمة والسكوت فيها يترعب. وقفت العربية ورا حوش قديم، وسحبت آمال من إيدها انزلي يا آمال.. مفيش وقت. جرينا بين القپور والنهجان بيقطع صدورنا، لحد ما وصلنا لحوش عيلتنا القديم. طلعت المفتاح الصدي من جيبي وفتحت الباب الحديد اللي بيزيق وصوته سمع في المكان كله.
دخلنا وقفلنا الترباس من جوه. قعدنا على الأرض بننهج، والورقة لسه في إيدي. طلعت الموبايل وحاولت أصور الباركود وأبعته لأي حد، بس المفاجأة إن الشبكة كانت مقطوعة تماماً.. هما شوشروا على المنطقة كلها.
آمال.. مين الأستاذ؟ سألتها وأنا بحاول أجمع شتات نفسي.
بصت لي بدموع وقالت الأستاذ ده يبقى أخو مديحة الكبير.. اللي الكل بيعمل له ألف حساب.. اللي محمود كان مجرد عيل شغال عنده.. الصناديق اللي في البيارة دي كانت غلطة محمود، لكن المخزن رقم 7 ده فيه الصفقة الكبيرة اللي هتهز مصر كلها لو اتعرفت.
وفجأة، سمعنا صوت خبط هادي على الباب الحديد بتاع الحوش. خبط رزين، منتظم، يخوف أكتر من الرزع. وصوت من ورا الباب بيقول بنبرة هادية تخلي دمك يهرب يا حاج إسماعيل.. اخرج بالورقة.. المقاپر مكان
للډفن، مش