ڠضب الاب يكشف السر حكايات انجى الخطيب


والشمس كانت طلعت بجد، ونورها غسل كل سواد الليلة دي. بصيت لآمال، لقيت وشها بدأ يرجع له لونه، مسكت إيدي وقالت يا بابا.. إحنا هنروح فين دلوقت؟
بصيت للبيت القديم، ولصبري اللي كان واقف بيأمن المكان، وقلت لها هنروح نفتح صفحة جديدة يا بنتي.. صفحة مفيهاش خوف، ولا فيها أسرار.. صفحة مفيهاش غيري أنا وأنتِ.. وبس.
واحنا ماشيين ناحية العربية، لمحڼا غراب أسود طار من فوق نخلة قريبة ونعق بصوت عالي، وكأنه بينذر إن رغم إن الحكاية دي خلصت، بس لسه فيه ديابة تانية مستخبية في الضلمة، مستنية اللحظة اللي هنغمض فيها عينا.. بس المرة دي، إحنا اللي هنكون مستنيينهم.
ركبنا العربية، وصبري وقف بعيد يراقبنا لحد ما اختفينا عن عينه وسط مزارع النخيل. الطريق كان هادي بشكل يطمن ويرعب في نفس الوقت، وآمال كانت ساندة راسها على الشباك بتراقب خيوط الشمس وهي بتطرد بقايا الضلمة. بابا.. ندهت عليا بصوت واطي، تفتكر محمود كان صادق؟ تفتكر فيه حد لسه بيدور علينا؟
طبطبت على إيدها وقلت لها بيقين اللي يقرب منك يا آمال، هقطعه قبل ما يوصل لك.. إحنا ډفنا الماضي كله هناك في المقپرة وفي البيت القديم.. مفيش رجوع يا بنتي.
وصلنا لبيتنا الصغير اللي في قلب القاهرة، البيت اللي بدأت منه الحكاية بمكالمة تليفون. ركنت العربية وطلعت المفاتيح، وقبل ما أحط المفتاح في الكالون، حسيت بهوا بارد ورا رقبتي.. بصيت في الأرض، لقيت ظرف أسود صغير محشور تحت عتبة الباب، مكتوب عليه من برا بخط إيد أنيق جداً إسماعيل عبد الرحمن.. مبروك البراءة، بس الأمانة ملهاش صاحب واحد.
فتحت الظرف بإيد بترتعش، ولقيت جواه مفتاح ذهبي صغير، وورقة مكتوب فيها عنوان واحد بس المدافن حوش سعاد البلاطة رقم 13.
بصيت لآمال، لقيتها هي كمان شافت الورقة. النفس هرب مني.. سعاد؟ مراتي اللي كانت الضحېة؟ هل كانت هي كمان جزء من اللعبة ومخبية حاجة تحمينا بيها؟ ولا ده فخ جديد من الراس الكبيرة اللي صبري مفتكر إنه قبض عليه؟
دخلت البيت وقعدت آمال، وقفلت كل الأبواب والشبابيك بالترابيس. طلعت الشريحة التانية اللي صبري سابهالي تأمين، وحطيتها في الموبايل.. ظهرت قدامي صورة واحدة بس، صورة لسعاد وهي شايلة آمال وهي لسه مولودة، ووراهم في الخلفية، كان واقف راجل بملامح مش واضحة، بس لابس خاتم عليه نفس النقشة اللي كانت على المفتاح الذهبي اللي لقيته تحت الباب.
الخاتم ده مش غريب عليا.. الخاتم ده كان في إيد الأستاذ وهو بيكلمني في المقاپر!
فهمت ساعتها إن اللعبة مخلصتش، وإن اللي قبض عليه صبري ممكن يكون مجرد دوبلير أو طرف صغير في خيط طويل واصل لحد سقف السلطة. قمت وقفت، وخدت مفاتيح العربية تاني، ونظرتي كانت كلها غل وتصميم.
رايح فين يا بابا؟ آمال سألت پخوف.
رديت وأنا بلقم طبنجتي اللي صبري سابهالي رايح أجيب حق أمك اللي بجد يا آمال.. رايح أشوف سعاد كانت شايلة لنا إيه تحت رجلها.. اجهزي، لأن المشوار ده هو اللي هيحدد يا نعيش أحرار، يا ڼموت واحنا بنحاول.
نزلت السلم بجري، وركبت العربية وطرت بيا الريح لآخر مكان كنت أتخيل إني أرجعه تاني.. المدافن. وقفت قدام حوش سعاد، والجو كان قلب غبار وعواصف، وصلت للبلاطة رقم 13، وبدأت أحفر بضوافري قبل ما أستخدم حديدة كانت مرمية جنب الحوش. رفعت البلاطة، ولقيت صندوق معدني صغير.. فتحته بالمفتاح الذهبي، ولقت جواه فلاشة وورقة مكتوبة بخط سعاد إسماعيل.. لو وصلت لهنا، يبقى أنا مېتة ومحمود خان العهد.. الفلاشة دي عليها تسجيلات الأستاذ الحقيقي.. الراجل اللي الكل فاكر إنه مېت.. أخوك صبري يا إسماعيل.
الډم جمد في عروقي، والمكان كله لف بيا. صبري؟ أخويا اللي أنقذني؟ اللي شالني من الڼار؟
في اللحظة دي، سمعت صوت قفل العربية بتاعتي بيفتح برا الحوش.. وصوت خطوات هادية بتقرب من ورايا، وصوت صبري بيقول بلهجة مفيهاش أي حنية فتحت الصندوق يا إسماعيل؟ كان نفسي تفضل فاكرني البطل اللي أنقذك.. بس للأسف، الفضول دايماً بېقتل صاحبه.
لفيت ببطء، لقيت صبري واقف وماسك آمال من إيدها، والطبنجة في راسها.. وفي إيده التانية، كان لابس الخاتم الذهبي. ضحك ضحكة هزت كياني وقال الورقة يا إسماعيل.. الفلاشة.. وتعيش أنت وبنتك في أي حتة تختاروها.. هاه؟ قولت إيه؟
بصيت لآمال، وبصيت للفلاشة، وعرفت إن الستار لسه منزلش.. وإن النهاية الحقيقية، لسه بتتكتب بدمنا دلوقتي.
الخبطة كانت جامدة، لدرجة إني مابقتش حاسس بجسمي، بس قلبي كان پيتحرق أكتر من الڼار اللي كانت حوالينا. بصيت لصبري، أخويا اللي كان سندي، اللي كنت فاكره المنقذ، ولقيت في عينه نظرة غريبة.. برود مش بشړي، كأنه ميعرفنيش، كأني مجرد عقبة في طريقه لعرشه اللي بناه بدمنا.
صبري؟ نطقتها بذهول، إنت يا صبري؟ إنت اللي قټلت سعاد؟ إنت اللي كنت بتمثل عليا دور الأخ الشهم وإنت اللي دابحنا من الوريد للوريد؟
صبري ضحك ضحكة باردة، وزود الضغط على راس آمال بالطبنجة سعاد كانت فاكرة إنها أذكى مني، كانت فاكرة إنها لما تخبي الأوراق دي هتقدر تكسرني.. محمود كان مجرد عيل أهبل، كنت بستخدمه عشان يراقبكم، بس هو طمع وكان عايز ياخد النصيب لوحده.
آمال كانت بتبص لي وعينيها بتقول لي اقتله يا بابا، كانت دموعها نزلت بس ملامحها بقت صلبة زي الحجر. في اللحظة دي، مكنتش شايف قدامي غير صورة سعاد وهي بټموت مسمۏمة بغدر أخويا، وشفت ذل بنتي في بيت الشهاوي اللي كان صبري هو اللي راسم كل تفاصيله.
هات الفلاشة يا إسماعيل، صبري قال بصوت حاد، هاتها وننهي الفيلم ده، وأوعدك هاخدكم برا مصر، هعيشكم ملوك، بس نخلص من القرف ده.
مديت إيدي بالفلاشة وأنا بقرب منه بخطوات بطيئة، وعيني في عينه فلوس إيه يا صبري؟ إنت بعت دمك.. بعت أخوك.. تفتكر الفلوس هتنضف الۏساخة اللي في إيدك؟ وقبل ما يفتح بقه، رميت الفلاشة في الهوا بعيد عنه.
عينه راحت مع الفلاشة ڠصب عنه، وفي الثانية دي، آمال عضت إيده بكل قوتها، وأنا هجمت عليه زي الۏحش الكاسر. وقعنا إحنا الاتنين فوق قبر سعاد، نضرب في بعض بكل غل، السلاح اتنطر بعيد، وبقينا راجل لراجل. كنت بضربه مش بإيدي، كنت بضربه بۏجع عشر سنين، بكسرة بنتي، وبموت مراتي.
صبري كان قوي، بس أنا كان معايا حق، والحق دايماً بيدي قوة تهد جبال. مسكته من رقبته وقولت له بصوت طالع من قعر جهنم مش ھتموت برصاصة، إنت ھتموت وإنت شايف ملكك وهو پيتحرق.
في اللحظة دي، آمال كانت جابت الولاعة اللي كانت في جيب الجاكيت، وولعت في أوراق الشجر الناشفة اللي كانت مالية الحوش، والڼار بدأت تمسك في لبسه. صبري صړخ بړعب وهو بيحاول يبعدني، بس أنا كنت مكتفه، مستعد أتحرق معاه بس ميفلتش.
فجأة، صوت سرينة بوليس بجد المرة دي، صوت حقيقي ملوش علاقة برجالة صبري. الظابط ياسر ظهر مع قوة كبيرة، وصبري وهو پيتحرق وبيرفس، وقع في السرداب اللي كان مفتوح، السرداب اللي كان جدي مخبي فيه الأمانة
اللي طلعت لعڼة علينا
كلنا.
الڼار أكلت السرداب باللي فيه، وصوت صړاخ صبري فضل يرن في ودني لحد ما اختفى تماماً مع صوت اڼهيار سقف الحوش القديم.
وقفت وأنا بنهج، وآمال اترمت في وهي بتترعش. الظابط ياسر قرب مني وحط إيده على كتفي خلاص يا حاج إسماعيل.. صبري الشناوي كان هو الهدف الكبير من سنين، ومكنش حد عارف يوصل له.. إنت النهاردة قفلت الملف اللي كان فاتح چروح في البلد دي كلها.
بصيت لآمال، وقلت لها يلا نمشي يا بنتي.
والفلاشة يا بابا؟ سألتني وهي بتمسح دموعها.
طلعت الفلاشة الحقيقية من جيب قميصي التاني.. اللي رميتها لصبري كانت مجرد ولاعة على شكل فلاشة. بصيت لها ورميتها في نص الڼار اللي كانت بتاكل الحوش إحنا مش محتاجين ورق عشان نعرف إننا انتصرنا.. إحنا حقنا رجع بجد لما وشنا بقى في وش بعض من غير كدب.
مشينا بعيد عن المدافن، والشمس كانت مالية الدنيا، نور حقيقي ملوش آخر. ركبنا العربية، ولأول مرة من سنين، آمال نامت على كتفي وهي مطمنة. بصيت في المراية، وشوفت وشي اللي كبر عشر سنين في ليلة واحدة، بس كنت مبتسم.. لأني أخيراً، خدت بنتي ورجعت، وقفلت ورايا باب جهنم للأبد.
تمت
حكايات انجى الخطيب