رواية جديدة


فنال منحة في إدارة الأعمال في مدرسة دولية معروفة.
وعندما حان وقت رحيلهم واحدًا تلو الآخر لمتابعة أحلامهم في المدينة وفي الخارج، رافقتهم إلى محطة الحافلات.
قال بن وهو يحتضنني باكيًا أختي سنعود من أجلك. سننقذك من هذا الفقر. هذا وعد.
وعندما غادرت الحافلة، بكيت طوال الليل في كوخنا الخالي. لم يكن ذلك من الحزن، بل من فخرٍ عميق لأنني استطعتُ أن أوصلهم إلى هذا الحد رغم كل ما عانيناه.
لكن المستقبل الذي انتظرته لم يأتِ كما تخيّلت.
في العامين الأولين، كانوا يرسلون الرسائل وبعض المال. كنت أنتظر ساعي البريد كل يوم. لكن مع مرور الوقت وازدهار حياتهم، بدأت الرسائل تتناقص، ثم انقطعت تمامًا. حاولتُ مراسلتهم، لكن الرسائل كانت تعود إليّ مكتوبًا عليها العنوان غير معروف.
مرّت السنوات خمسٌ وعشرون سنة منذ ۏفاة توماس. أصبحت في السابعة والخمسين. انحنى ظهري من ثقل العمل، وتعبت عيناي من السهر الطويل، وما زلت أعيش في الكوخ نفسه، الذي تتسرّب إليه مياه المطر في كل موسم، ويبرد فيه الجسد حتى العظم في ليالي الشتاء.
وأصبحتُ موضع سخرية أهل القرية.
في أحد الأيام، كنت أقف عند طرف الطريق أنتظر ساعي البريد، كما اعتدت كل يوم، رغم أنني في داخلي كنت أعرف أنه لن يأتي بشيء. رأتني آلينغ نينا، فضحكت بسخرية، وقالت بصوتٍ عالٍ أمام الجميع ما زلتِ تنتظرين؟ أما زلتِ تحلمين؟ لقد نسوكِ!

استغلوكِ حتى خرجوا من الفقر، ثم تركوكِ خلفهم! كم أنتِ ساذجة!
ضحك من حولها ضحكًا قاسيًا، لا رحمة فيه.
لم أردّ. لم أرفع رأسي حتى. فقط عدتُ إلى كوخي بصمت، وأنا أحمل في صدري وجعًا أثقل من كل السنوات التي مضت.
في الليل، جلستُ أمام المصباح الخاڤت، أنظر إلى صورتنا القديمة أنا وهم الثلاثة، بملابس بسيطة ووجوه مليئة بالأمل. لم أكرههم يومًا. لم أندم. كنت فقط أتساءل هل يمكن أن تُمحى كل تلك السنوات من ذاكرتهم بسهولة؟
لكن رغم كل شيء كنت أدعو لهم. كل ليلة.
وفي صباح يوم أحد، بينما كنت أكنس أوراق الشجر المتساقطة أمام كوخي، شعرتُ باهتزاز خفيف في الأرض كأن شيئًا كبيرًا يقترب.
رفعت رأسي ببطء.
ومن الطريق الترابي الضيق، بدأت تظهر سيارات لم أرَ مثلها في حياتي واحدة تلو الأخرى سوداء، لامعة، فاخرة قافلة طويلة تشق طريقها وسط الغبار.
توقفت المكنسة في يدي.
خرج أهل القرية من بيوتهم، يتجمعون، يتهامسون، يحدّقون بدهشة لا تخفى.
من هؤلاء؟!
هل جاء مسؤول كبير؟!
هل سيشترون الأراضي؟!
لكن
القافلة لم تتوقف في وسط القرية بل واصلت التقدم حتى وصلت
إلى كوخي.
توقفت أمامي مباشرة.
في تلك اللحظة لم أعد أسمع شيئًا.
لا همسات لا أصوات فقط صوت دقات قلبي.
نزل رجال ببدلات سوداء بسرعة منظمة، واصطفوا على الجانبين، ثم فُتح باب السيارة الطويلة ببطء.
خرج ثلاثة أشخاص.
في البداية لم أصدق.
لكن شيئًا في طريقة وقوفهم في نظراتهم في ملامحهم جعل