البنت الجعانه بقلم زيزي


في نص ساعة هعزمك على أحسن أكلة في القاهرة.
مريم حاولت تداري فرحتها وقالت بثقة
تعالى ورايا ومشيت مريم قدامه وسط الحواري الضيقة كأنها خريطة ماشية على رجلين.
كانت بتلف بين شوارع جانبية محدش يعرفها، تعدّي من ممرات ضيقة، وتنط فوق حفر المية كأنها عايشة هنا من عمرها كله وده كان حقيقي.
آسر كان ماشي وراها وهو مستغرب.
طفلة عندها سبع سنين بس ومع ذلك ماشية بثقة ناس كبيرة.
كل شوية كانت تبص وراها تتأكد إنه لسه وراها.
فسألها وهو بيحاول يلقط نفسه من المشي السريع
إزاي عارفة الطرق دي كلها؟
مريم ردت من غير ما تبصله
عشان الهروب.
الكلمة وقفت قلبه ثانية.
قال باستغراب
هروب من إيه؟
هزت كتفها ببساطة
من الناس الۏحشة ومن اللي بيمسكوا الأطفال اللي في الشارع.
آسر حس بغصة في حلقه.
دي مش طفلة ضايعة
دي طفلة بتنجو كل يوم.
بعد شوية سألها بهدوء
بتروحي تشوفي والدتك؟
وشها اختلف فورًا.
ولأول مرة ابتسامتها الصغيرة اختفت.
آه.
فين المستشفى؟
القصر العيني.
بصت للأرض وهي بتتكلم.
في ممرضة اسمها أستاذة نادية ساعات بتدخلني أشوفها من غير ما حد يعرف.
آسر سكت، فكمّلت مريم بصوت أهدى
بكلمها حتى وهي نايمة وبحكيلها عن يومي.
وبتسمعك؟
مريم ابتسمت بحزن طفولي موجع
أكيد الأمهات بيسمعوا حتى وهما نايمين.
الجملة دخلت جواه زي السکينة.
افتكر آخر مرة حضڼ فيها ابنه ياسين.
افتكر إنه كان مستعجل وقتها وإنه وعده يلعب معاه بعد الشغل.
الوعد اللي ملحقش ينفذه أبدًا.
وفجأة مريم وقفت وأشارت لقدام بحماس
بص!
رفع آسر عينه
وبرج الچارحي جروب كان ظاهر قدامهم وسط الأبراج الزجاجية.
وصلوا.
وفي وقت قياسي كمان.
آسر بص لمريم بانبهار حقيقي.
إنتِ أنقذتيني النهارده.
مريم ضحكت بخجل
أنا بس بعرف أمشي كويس.
لكن آسر كان شايف أكتر من كده.
شايف طفلة ذكية قوية وقلبها أنضف من ناس أغنيا كتير يعرفهم.
الهواء برد أكتر، ومريم بدأت ترتعش.
فقال بسرعة
تعالي معايا جوا تستني المكان دافي.
ملامحها اتشدت فورًا پخوف.
الأماكن دي

مبتحبش اللي زيي.
آسر مد إيده ليها بثبات
المكان ده بتاعي.
بصت لإيده كام ثانية
وبعدين حطت إيدها الصغيرة فيها.
إيدها كانت متلجة.
دخلوا الشركة، وأول ما الأمن شاف آسر، كلهم وقفوا فورًا.
صباح الخير يا فندم.
لكن عيونهم راحت مباشرة على مريم.
طفلة هدومها قديمة وجزمتها مقطوعة ماشية جنب صاحب أكبر شركة في البلد.
الاستغراب كان واضح.
آسر لمح النظرات دي كلها، فقال بحدة خفيفة
دي ضيفتي.
وفورًا الكل سكت.
عند الريسبشن، السكرتيرة دينا قربت بسرعة وهي متوترة
البشمهندس، الاجتماع بدأ وكل المستثمرين مستنيين حضرتك.
آسر أشار لمريم
دي مريم هتستنى هنا.
ثم بص لدينا بنظرة حادة
تتأكدوا إنها تاكل وتشرب وماحدش يضايقها.
أكيد يا فندم.
مريم بصت حواليها بانبهار.
الرخام اللامع
النجف الكبير
الناس اللي لابسة شيك
كل حاجة كأنها عالم تاني.
قبل ما يدخل المصعد، آسر بص لمريم وقال
أوعدك أول ما الاجتماع يخلص هناكل سوا.
مريم سألته بصوت صغير مليان خوف
وإنت مبتخلفش وعدك؟
السؤال وجعه أكتر مما توقع.
قرب منها وقال بصدق
لا المرة دي لأ.
ولأول مرة من سنة كاملة
ابتسم آسر الچارحي ابتسامة حقيقية.
لكن في نفس اللحظة
وفي الدور الأربعين تحديدًا
كان رجل واقف خلف زجاج مكتبه الفخم، بيتابع كاميرات الشركة ببرود.
ولما شاف مريم
اللون اختفى من وشه فجأة.
وقام واقف وهو يهمس پصدمة
مستحيل البنت دي لسه عايشة؟!الرجل كان اسمه كمال عزام
الشريك القديم لآسر الچارحي.
والرجل الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة عن اختفاء ياسين.
إيده اترعشت وهو بيكبّر صورة مريم على شاشة المراقبة.
نفس العيون
نفس الملامح.
مش ملامح أمها بس
لا.
ملامح ياسين.
اتراجع خطوة للخلف وهو قلبه بيدق پعنف.
إزاي؟!
في اللحظة دي، الباب خبط ودخلت دينا بسرعة
أستاذ كمال، الاجتماع هيبدأ.
لكن كمال كان سرحان تمامًا.
عينه مثبتة على الشاشة.
على البنت الصغيرة اللي المفروض ما تكونش موجودة أصلًا.
قال فجأة
البنت اللي تحت دي مين ډخلها؟
دينا استغربت
مع البشمهندس آسر.
كمال حس الډم بيتسحب من وشه.
خلي الأمن يطلعوها فورًا.
دينا اتفاجئت
بس آسر بيه بنفسه
نفذي اللي قولته!
صوته