رواية جديدة


وجود امرأة وطفلة غريبتين في القصر دليل واضح على تدهوري. كانت تريد السيطرة على أموالي، وانتزاع هازل وروان من حياتي، بحجة حمايتي بينما كان الدافع الحقيقي واضحًا كالشمس.
في قاعة المحكمة، بدا كل شيء رسميًا، باردًا، ومجحفًا. الجدران الصامتة، المقاعد الصلبة، والنظرات التي تحاكم قبل أن تسمع. سخر محاميها علنًا من فكرة أن طفلة يمكن أن يكون لها أي دور في تحسّن حالتي. تحدث عن الوهم، والإنكار، وضعف الإدراك، وكأنني لستُ حاضرًا، وكأن حياتي مجرّد ملفٍ على مكتبه.
سألني القاضي بهدوء إن كان لدي ما أودّ قوله.
دفعتُ كرسيّي إلى الأمام ببطء، كأنني أُمهّد لجسدي طريقًا لم يسلكه منذ أعوام. ثبّتُّ المكابح بإحكام، وشعرتُ بثقل اللحظة يهبط على صدري دفعةً واحدة. كان الصمت كثيفًا، خانقًا، وكل الأنظار تتجه نحوي، لا بدافع التعاطف، بل انتظارًا لانهيارٍ متوقّع، أو تلعثمٍ مُحرِج، أو اعترافٍ أخير بالعجز يؤكّد ما قيل عني.
رفعتُ رأسي، واستجمعتُ ما تبقّى لي من قوة، وقلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا، رغم الارتجاف الذي كان يعصف بي من الداخل
أنا لستُ مشوَّشًا أنا أتعافى.
ساد صمتٌ أعمق. شعرتُ بأن الهواء نفسه توقّف عن الحركة. ثم دفعتُ بجسدي إلى الأعلى.
في اللحظة التالية، اڼفجر الألم في داخلي. لم يكن ألمًا عابرًا، بل كان عنيفًا، حارقًا، كأنه يمرّ عبر أعصاب لم تُستخدم منذ سنوات طويلة، أعصاب نُسيت، ثم أُجبرت فجأة على الاستيقاظ. ڼار تسري في عضلاتي، وارتعاش لا يمكن السيطرة عليه، كأن الجسد يحتجّ على هذا التمرّد المفاجئ. للحظةٍ قصيرة، خاطفة، ظننتُ أنني سأفشل، وأنني سأسقط أمام الجميع، مؤكّدًا كل ما قالوه عني، ومثبتًا أن الأمل لم يكن سوى وهمٍ قاسٍ.
لكنني وقفت.
لم يكن وقوفًا متزنًا، ولم يكن جميلًا، ولم يدم طويلًا. كان وقوفًا مهتزًّا، متكسّرًا، لكنّه كان حقيقيًا. وقوفًا ارتجف فيه الجسد بكل ما فيه من ضعفٍ وألم، بينما بقيت الروح مستقيمة، رافضة الانكسار.
اڼفجرت القاعة بالهمسات، ثم بالذهول الصريح. رأيتُ الوجوه تتبدّل، واليقين ينهار. ورأيتُ الشحوب يكسو وجه كلير، وتراجع الثقة في عينيها، وكأن عالمها بأكمله تصدّع في ثانية واحدة، دون إنذار.
قبل أن يخذلني جسدي، وقبل أن تسقط بي القوة، عدتُ إلى الكرسي، وقلتُ بصوتٍ مبحوح لكنه صادق
أنا بخير.
لم يحتج القاضي إلى مزيد من الوقت. أعلن رفض القضية فورًا، دون تردّد، وكأن الحقيقة وقفت بنفسها أمام الجميع، ولم تترك مجالًا للنقاش.
مرّت ستة أشهر منذ ذلك اليوم.
ستة أشهر لم تكن سهلة، ولم تكن مستقيمة. كانت مزيجًا من الألم، والتقدّم البطيء، والسقوط المتكرّر، ثم النهوض من جديد بعنادٍ صامت. أستخدم الآن مشاية، وأشعر بالأرض تحت قدميّ في كل خطوة. إحساس قد يبدو عاديًا في نظر الآخرين، لكنه كان بالنسبة لي حلمًا بعيد المنال لسنوات طويلة.
كل خطوة ما تزال معركة، لكن الفرق