رواية جديدة


أنني أخوضها بإرادتي، لا كرهًا ولا يأسًا، بل بإيمانٍ متأنٍّ بأن الجسد، مثل الروح، يحتاج وقتًا ليتعلّم الثقة من جديد.
روان تقترب من إنهاء دراستها في التمريض، وقد استعاد وجهها شيئًا من الطمأنينة التي سلبتها الحياة مبكرًا. لم تعد تلك المرأة المنهكة التي جاءت مع العاصفة، حاملة الخۏف على كتفيها، بل امرأة تقف بثبات، تنظر إلى المستقبل بثقة هادئة، وتعرف أنها قادرة على حماية نفسها وابنتها.
أمّا هازل، فقد التحقت بمدرسة خاصة، لكنها لم تتغيّر. لا تزال تركض في الممرات كأن العالم لا يعرف القسۏة، وتضحك بصوتٍ عالٍ، وتجلس معي كل مساء لنلعب الدومينو، وتفوز عليّ في معظم الأحيان، ثم تحتفل بانتصارها وكأنه أعظم إنجاز في العالم.
في تلك اللحظات البسيطة، كنتُ أكتشف أن الحياة لا تعود دفعة واحدة، بل تتسلّل بهدوء، عبر التفاصيل الصغيرة التي كنا نظنّها بلا قيمة.
أمس، بينما كنّا نرتّب قطع الدومينو على الطاولة، وتتنافس هازل معي بجدّية طفولية، سألتها بهدوء، وكأنني أطرح سؤالًا ظلّ عالقًا في داخلي منذ زمن
كيف عرفتِ أنك تستطيعين مساعدتي؟
رفعت رأسها نحوي، ثم هزّت كتفيها بلا مبالاة، كأن الأمر بديهي لا يحتاج إلى تفسير، وقالت ببساطة لا تشبه سوى الصدق
أنا لم أُصلحك. أنت كنت فقط متجمّدًا وكان لا بدّ أن يبقى أحدٌ معك في البرد حتى تذوب.
سقطت كلماتها عليّ بهدوءٍ موجع. لم تكن كلمات طفلة، بل خلاصة حياة كاملة. صمتُّ طويلًا بعدها، أستعيد كل السنوات التي قضيتها وحيدًا، محاطًا بالدفء المزيّف للمال، وبالبرودة الحقيقية للوحدة، وبقصرٍ كبير امتلأ بالأشياء وفرغ من المعنى.
أدركتُ حينها أن الشلل لم يكن في ساقيّ وحدهما،
وأن التعافي لم يبدأ يوم تحرّكت الأعصاب،
بل يوم بقيت طفلة صغيرة عند بابي في العاصفة،
ورفضت أن تتركني وحدي في البرد.
ثم أدركتُ
أنها لم تُعد إليّ القدرة على الوقوف فقط،
بل أعادت إليّ نفسي،
وأعادت إليّ الحياة،
خطوة بعد خطوة