رواية كامله


عينيه نص فتحة.
بصلي وهو مش فاهم.
كان لسه بين النوم والصحيان.
قال بصوت صغير
إنتي مين؟
ابتسمت ودموعي على وشي.
قلت
أنا هنا.
بصلي شوية، وبعدين قال
بابا قال إنك طيبة.
بصيت لأحمد.
كان بيبكي في صمت.
رجعت بصيت لسيف وقلت
وبابا قالك كده؟
هز راسه بخفة.
قال إن هنا هتخاف عليا.
الكلمة خلت قلبي يدوب.
قلت له
وأنت تحب أخاف عليك؟
بص للدبدوب اللي في حضنه، وبعدين بصلي.
وقال بهدوء
هو أنا هفضل هنا؟
هنا بقى العياط وقف في زوري.
طفل عنده أربع سنين، أول سؤال في حياته الجديدة
هل هفضل هنا؟
يعني كان خاېف مايبقاش له مكان.
قربت منه وقلت
آه يا سيف هتفضل هنا.
سألني
ومحدش هيرجعني تاني؟
بصيت لأحمد، وبعدين رجعت لسيف.
قلت
محدش هيرجعك تاني. ده بيتك.
سيف فضل باصصلي ثواني، وبعدين حط راسه على المخدة تاني.
وقبل ما يغمض عينيه، قال
تصبحي على خير يا هنا.
ماقالش ماما.
بس الاسم طلع منه كأنه أول خطوة.
وأنا وقتها فهمت إن الأمومة مش كلمة بتتقال في يوم.
الأمومة طريق.
طريق طويل، محتاج صبر، وحب، ووجود.
في الليلة دي، ما نمتش.
فضلت قاعدة في الصالة لحد الفجر.
أحمد كان قاعد قدامي ساكت.
كان عارف إن الاعتذار لوحده مش كفاية.
قلت له
احكيلي كل حاجة عن سيف.
رفع عينه باستغراب.
قلت
بيحب إيه؟ بېخاف من إيه؟ بياكل إيه؟ بينام إزاي؟ عنده حساسية من حاجة؟ بيصحى بالليل؟
أحمد بدأ يحكي.
قال إنه بېخاف من الضلمة.
وإنه بيحب البطاطس المحمرة.
وإنه لما يتوتر يمسك ودن الدبدوب.
وإنه ما بيعرفش ينام غير والنور الصغير منور.
وإنه سأل قبل ما ييجي
هي هتحبني؟
ساعتها قلبي اتكسر من جديد.
بس المرة دي، اتكسر عشان يتوسع.
الصبح، دخلت المطبخ وعملت فطار بسيط.
بيض، جبنة، عيش سخن، وكوباية لبن.
سيف خرج من الأوضة وهو ماسك الدبدوب وواقف عند الباب، مش عارف يدخل ولا يرجع.
ابتسمت له وقلت
تعالى يا سيف، الفطار جاهز.
بص لأحمد كأنه بياخد الإذن.
أحمد قال له
روح يا حبيبي.
قعد على الكرسي بهدوء.
كان مؤدب زيادة عن اللزوم.
أكتر من طفل في سنه.
الأطفال اللي بيتربوا في خوف بيبقوا ساكتين أكتر من اللازم.
حطيت قدامه الطبق.
قال بسرعة
شكرًا.
الكلمة خرجت صغيرة أوي.
قلت له
إنت بتحب البطاطس؟
عينيه لمعت.
أيوه.
قلت
يبقى بكرة أعملك بطاطس.
بصلي وكأنه مش مصدق إن حد ممكن يفتكر حاجة بيحبها.
وبعد الفطار، دخلت أوضته.
كانت لسه شنطته على الأرض.
شنطة صغيرة جدًا، فيها هدوم قليلة، وكراسة تلوين، والدبدوب القديم.
فتحت الدولاب، وبدأت أرتب هدومه.
كل قطعة كنت بحطها، كنت بحس إني بحط جزء من روحه في البيت.
في نص اليوم، لقيته واقف عند باب الأوضة.
قال
إنتي بترتبي حاجتي؟
قلت
آه. دي أوضتك.
سألني
لو بوظتها هتزعلي؟
ابتسمت بحزن.
الأوضة اللي فيها طفل لازم تتبهدل شوية.
لأول مرة شفته يضحك.
ضحكة صغيرة، بس كانت كفاية تنور البيت كله.
الأيام اللي بعدها ماكانتش سهلة.
سيف كان يصحى مڤزوع بالليل.
كان ېخاف لو الباب اتقفل.
كان يخبي أكله أوقات، كأنه خاېف يجوع.
وكان كل ما يسمع صوت عالي، يجري يستخبى ورا الكنبة.
وأنا كنت بتعلم.
بتعلم أمومته خطوة خطوة.
أتعلم إزاي ما أضغطش عليه.
إزاي أطمنه من غير ما أخنقه.
إزاي أقرب منه من غير ما أخوفه.
أما أحمد، فكان بيتغير هو كمان.
بقى يدخل البيت بدري.
يقعد مع سيف.
يحكيله حواديت.
ويعتذر لي كل يوم، مش بالكلام بس، بالتصرفات.
لكن الثقة؟
الثقة ما رجعتش في يوم وليلة.
كنت أحيانًا أبص له وأفتكر إنه خبي عني الحقيقة.
وأتوجع.
وهو كان فاهم.
ماكانش يضغط عليا أسامحه بسرعة.
كان يسيبني أزعل.
ويسيبني أسكت.
ويفضل موجود.
بعد أسبوع، سيف دخل عليا المطبخ وأنا بعمل الغدا.
قال
هنا؟
قلت
نعم يا حبيبي؟
سكت شوية.
وبعدين قال
ينفع أقولك حاجة؟
قعدت على ركبي قدامه.
قول.
قال
أنا حلمت بماما امبارح.
قلبي اتقبض.
قلت بهدوء
وحلمت بإيه؟
قال
كانت بتضحك وقالتلي ما تخافش.
دموعي لمعت، بس مسكت نفسي.
قلت
يبقى هي مبسوطة إنك بخير.
سألني
هي شايفاني؟
قلت
أكيد حاسة بيك.
سكت، وبعدين قال
طب لو أنا حبيتك ماما تزعل؟
السؤال ده كان كفيل يكسر أي قلب.
مسكت إيده وقلت
لا يا سيف. مامتك عمرها ما تزعل إنك تتحب. الحب مش
بياخد مكان