جوزي كان بيخدرني كل ليلة علشان أنسى حقيقتي… لكن في ليلة واحدة صحيت واكتشفت إن اسمي كله كڈبة


فيه آثار على رقبتها، وعين من عينيها نازلة شوية.
لكن لما ابتسمت، حاجة جوايا عرفتها قبل ذاكرتي.
قالت
نور.
غطيت بُقي بإيدي.
أمي.
هي عيطت بصمت.
وأنا عيطت كمان.
لثواني، ما قلناش حاجة.
لأن الكلام ما يكفيش يعبر فجوة اتناشر سنة.
قلت
كنت فاكرة إنك مېتة.
قالت
هما كانوا عايزينك تصدقي ده.
قلت
كريم قالي إن أمي ماټت وأنا عندي خمس سنين.
أمي غمضت عينيها.
قالت
سرقوا منك حتى حق الحزن.
حكت لي شوية بس، لأني ما كنتش قادرة أستحمل أكتر.
قالت إن أبويا اكتشف مخالفات في عيادة الدكتور عادل الرفاعي.
قالت إن المرضى كانوا بيُستخدموا في تجارب على الذاكرة.
ناس ضعيفة.
ستات من غير عيلة.
شباب بسجلات مزورة.
أبويا جمع أدلة.
وقبل ما يسلمها، ماټ في حاډث عربية ما اتحققش فيه زي ما يجب.
أمي كملت اللي بدأه.
علشان كده استدعوها للعيادة.
وعلشان كده أخدتني معاها اليوم ده العصر.
وعلشان كده حرقوا الأرشيف.
أمي نجت، لكنها قضت شهور في المستشفى باسم مختلف، معزولة عن العالم، ومستخبية بمساعدة ممرضة اختفت بعد كده.
قالت
ولما قدرت أدور عليكي، كنتِ بقيتي شخص تاني. ليلى الشامي. زوجة الدكتور كريم الرفاعي. ما قدرتش أقرب منك من غير ما يخفوكي تاني.
سألتها
ليه دلوقتي؟
رفعت ملف قدام الكاميرا وقالت
لأني لقيت كاتب العدل اللي زوّر أول توكيل. ولأني عرفت إنهم كانوا هيخلوكي تمضي التنازل النهائي بكرة.
بكرة.
يوم واحد بس
وكنت هختفي قانونيًا.
مش جوه عربية.
ولا في عيادة.
لكن على كرسي، بقلم، وتحت اسم هما اخترعوه لي.
اتلاقت عربية كريم وقت الظهر، مرمية قرب طريق المطار.
كان فيها هدوم.
وشنطة.
وآثار ډم.
ما كانتش دمه.
كانت ډم سهام.
عضتي سابت علامتها.
العصر ده، الشرطة داهمت مكتب كريم في برج طبي في عمّان الغربية.
لقوا ملفات تانية.
بعضها لستات محدش بلغ عن اختفائهم، لأنهم رسميًا كانوا متجوزين، أو في مصحات، أو تحت العلاج.
وهنا عرفت بړعب إن محو الإنسان مش دايمًا محتاج عڼف واضح.
أحيانًا بيمحوك بالورق.
بعد تلات أيام، قبضوا على سهام في إربد، وهي بتحاول تدفع مبلغ نقدي علشان تاخد وثائق مزورة.
كريم ماكانش معاها.
لما الرائد هالة قالتلي الخبر، كنت قاعدة جنب أمي في أوضة المستشفى.
كانت دي أول مرة ألمس إيدها.
جلدها كان خشن.
حقيقي.
سألت
هو فين؟
الرائد هالة حطت صورة على الترابيزة.
راجل لابس كاب، ماشي جنب محطة أتوبيسات كبيرة.
قالت
نعتقد إنه بيحاول يخرج من البلد.
أمي اتجمدت.
قالت
كريم ما بيهربش من غير ما يخلّص اللي بدأه.
وأنا كمان كنت عارفة ده.
كريم ما فقدش السيطرة.
هو بس أجّلها.
في الليلة دي، والكل نايم، لقيت ورقة مطوية جوه كتاب رسالتي الجامعية.
ما كانتش موجودة قبل كده.
الخط كان خط كريم.
مكتوب فيها
تقدري ترجعي اسمك يا نور. لكن ذاكرتك عندي.
وتحتها عنوان.
عمّان القديمة.
بيت طفولتي.
اتصلت بالرائد هالة.
مش شجاعة مني.
لكن لأني فهمت أخيرًا إن محاولة أعمل كل حاجة لوحدي، هي بالظبط اللي كريم كان عايزه.
رحنا وقت الفجر.
الشارع كان ريحته عيش سخن ورصيف مبلول.
البيت كان مقفول.
والدهان متقشر.
ونبات الجهنمية طالع فوق البوابة.
أمي فضلت جوه العربية، محاطة بعناصر الأمن، وإيديها مشدودة على صدرها.
دخلت وأنا لابسة سترة واقية.
كان إحساس غريب.
جزء مني لسه حاسس إني طالبة، وزوجة، وست مشوشة.
وجزء تاني كان ماشي كأنه نور
الطفلة اللي نجت من غير ما تعرف.
جوه، كل حاجة كانت متغطية بقماش أبيض.
التراب بيرقص في نور الصبح.
وفي غرفة الجلوس كان فيه تلفزيون قديم، وترابيزة، وعجلة حمرا مصدية.
لما شوفتها، انهرت.
افتكرت أبويا وهو بيضحك.
افتكرت إيديه المتوسخة بالشحم.
افتكرته وهو بيناديني يراعة علشان كنت بجري في الحوش
وقت الغروب.
وبعدين سمعت تصفيق بطيء.
كريم خرج من الممر.
شعره منكوش.
قميصه متلطخ.
وإيده ملفوفة بضمادة.
ماكانش ماسك سلاح.
كان ماسك جهاز تسجيل صوتي.
قال
أهلًا بعودتك للبيت.
رجال الأمن وجهوا سلاحهم ناحيته.
انبطح على الأرض!
كريم ابتسم.
لو أطلقتوا الڼار، هي عمرها ما تعرف النسخة الأخيرة فين.
الرائد هالة تقدمت خطوة.
أي نسخة؟
بصلي أنا بس.
قال
ذاكرتك يا نور. الجلسات. اللي اكتشفه أبوكي.