الجزء الاخير حكايات محمد عبده

الجزء الثاني
ساد الصمت لثوانٍ داخل مكتب المحاماة الفاخر، قبل أن يكسره صوت مروان وهو يبتسم بسخرية، كأنه يرى المشهد كله مجرد تمثيلية ضعيفة.
— جاية بيه كده ليه يا سلمى؟ شايلة البيبي في إيد وورق في إيد؟ فاكرة إن ده هيخليني أرجع عن قراري؟
ضحكت رنا بخفة، وهي تميل على الكرسي بثقة مبالغ فيها: — يمكن جاية تعمل دراما أمومة عشان تكسب تعاطف المحكمة.
لكن سلمى لم ترد. فقط اقتربت خطوة واحدة، وضعت الطفل بحذر على الكنبة الجلدية بجانبها، وكأنها تفصل بين عالمين تمامًا… طفلها في عالم، وهم في عالم آخر على وشك الاڼهيار.
ثم رفعت الملف الأسود ببطء.
كان ثقيلًا… ليس فقط بوزنه، بل بما بداخله.
مروان لاحظه أخيرًا، فتغيرت ملامحه قليلًا: — إيه ده؟
سلمى نظرت له مباشرة لأول مرة منذ دخولها، نظرة لم تكن فيها دموع ولا رجاء… فقط هدوء مخيف.
— ده اللي هينهي المسرحية اللي انت عايش فيها.
فتح مروان فمه ليهزأ، لكن سلمى سبقت كلماته وهي تفتح الملف وتضع أول ورقة على الطاولة الزجاجية.
كانت صورًا.
صور من كاميرات أمنية داخل أحد المكاتب الجانبية للشركة… يظهر فيها مروان وهو يوقع تحويلات مالية كبيرة باسماء شركات وهمية.
تجمدت ابتسامته.
رنا انحنت للأمام: — إيه ده يا مروان؟
لكن سلمى لم تتوقف. أخرجت ورقة ثانية… ثم ثالثة.
تقارير بنكية.
تحويلات بأرقام ضخمة من حسابات الشركة إلى حسابات خارجية باسم “شركاء استثماريين” غير موجودين أصلًا.
مروان وقف فجأة: — إنتِ… جبتي الكلام ده منين؟
سلمى ردت بهدوء قاټل: — من المكان اللي انت كنت فاكر إني عمري ما أوصل له… شغلك.
اقتربت خطوة أخرى: — كنت فاكر إن انشغالك بيا يقلل مني… بس الحقيقة إنه خلاني أشوف كل حاجة.
رنا بدأت تتراجع في مقعدها، ملامحها لأول مرة فقدت الثقة: — مروان… قولي إن ده مش حقيقي…
لكن سلمى أخرجت ورقة أخيرة من الملف.
وكانت الأسوأ.
تسجيل صوتي مطبوع تفريغًا لمكالمة… بين مروان وشخص مجهول، يتحدث فيها عن “تصفية شريك قديم” وتحميله كل الخسائر القانونية لو انكشف الأمر.
سقطت الابتسامة تمامًا عن وجه مروان.
لأول مرة لم يرد.
لم يضحك.
لم يسخر.
فقط قال بصوت منخفض: — إنتِ كنتِ بتراقبيني؟
سلمى هزت رأسها: — لا… أنا كنت بحاول أعيش معاك. بس اللي زيك بيكشف نفسه وهو فاكر إنه ذكي.
في تلك اللحظة، بدأ معنى وجودها الحقيقي يظهر على الطاولة… لم تكن جاءت من أجل الطلاق فقط.
بل جاءت ومعها دليل يمكن أن يسحب اسمه، شركته، وحياته بالكامل إلى أسفل.
رنا وقفت فجأة: — أنا ماليش دعوة بأي حاجة!
لكن سلمى نظرت لها بابتسامة خفيفة: — للأسف… اسمك موجود في الملفات كمان.
سكون ثقيل سقط على الغرفة.
ومروان لأول مرة نظر إلى الطفل على الكنبة… كأنه أدرك أن ما بدأ كخېانة زوجية… انتهى بکاړثة لا يمكن السيطرة عليها.
وفي الخارج، كان المحامي يقترب من الباب ليدخل… لكنه توقف عندما سمع جملة سلمى الأخيرة وهي تغلق الملف بهدوء:
— النهاردة مش أنا اللي هخسر يا مروان…
— النهاردة أنت اللي هتتعلم يعني إيه تختار عدو غلط.
يتبع…
الجزء الثالث والأخير
انفتح باب المكتب ببطء، ودخل المحامي وهو يحمل بعض الأوراق، لكن ما إن رأى التوتر على الوجوه حتى توقف في مكانه.
لم يكن هناك أي شيء طبيعي في الغرفة.