الجزء الاخير حكايات محمد عبده


سلمى واقفة بثبات، طفلها ما زال على الأريكة يغط في نوم هادئ، وكأن العالم الخارجي لا يعنيه. مروان في الجهة المقابلة، وجهه فقد كل غروره لأول مرة. ورنا واقفة قرب الباب كأنها تبحث عن مخرج لا يوجد.
قال المحامي بتردد: — في إيه بالظبط هنا؟
لكن سلمى لم ترفع صوتها. فتحت الملف مرة أخرى، وأخرجت ظرفًا صغيرًا وألقته على الطاولة.
— دي بلاغات رسمية اتقدمت من أسبوعين… وموقعة باسم شهود من داخل الشركة.
ارتعش فك مروان: — مستحيل… مين الشهود دول؟

سلمى نظرت له بهدوء: — الناس اللي انت كنت فاكرهم بيخافوا منك.
لحظة صمت ثقيلة سقطت في المكان، ثم أكملت:
— كل تحويل، كل توقيع، كل عملية ڼصب مالية… متوثقة. والنيابة بدأت تحقيق فعلي.
رنا شهقت: — يعني… إحنا الاتنين متسجلين؟
سلمى ردت ببرود: — أنا ماليش دعوة بيكي… لكن اسمك ظهر في تحويلات رسمية. والباقي هيتحدد في التحقيق.
مروان فجأة فقد السيطرة: — إنتِ عايزة مني إيه؟ فلوس؟ طلاق؟ أنا موافق على كل حاجة!
اقتربت سلمى خطوة، ونظرت له لأول مرة كأنه شيء انتهى بالفعل:
— متأخر.
ثم أشارت إلى الملف: — أنا مش جاية أساومك. أنا جاية أوقفك.
تقدم المحامي بحذر: — الأمور كده دخلت في مسار جنائي… الموضوع خرج من إيدينا كليًا.
تراجع مروان خطوة للوراء، كأنه لأول مرة يفهم حجم السقوط القادم.
لكن أكثر لحظة كسرت كل شيء لم تكن الأوراق… بل عندما تحرك الطفل على الأريكة وأصدر صوتًا صغيرًا.
سكون مفاجئ.
نظرت سلمى إليه، ثم التفتت لمروان وقالت بهدوء قاټل:
— ده ابنك… اللي اخترت تغيب عنه في أول يوم في حياته.
صمت.
لم يرد.
لم يدافع عن نفسه.
لم يجد أي جملة مناسبة لأول مرة.
رنا أمسكت حقيبتها بسرعة: — أنا همشي من هنا… أنا مش داخلة في الكلام ده!
وخرجت مسرعة دون أن تلتفت.
بقي مروان وحده تقريبًا، أمام الحقيقة كاملة… خېانة، فساد، واڼهيار.
اقترب من سلمى بصوت أقل حدة: — سلمى… ممكن نحل الموضوع بينا؟ أنا… أنا غلطت.
نظرت له طويلًا، ثم قالت:
— الغلط مش إنك خڼتني… الغلط إنك كنت فاكر إني هفضل ساكتة.
أخذت طفلها بين ذراعيها، وكأنها تستعيد حياتها بالكامل.
ثم أضافت:
— من النهاردة… أنا مش زوجتك. أنا أم ابنك… والشخص اللي هيتابع طريقه لحد ما العدالة تاخد حقها.
التفتت لتغادر، لكن قبل أن تخرج، توقفت عند الباب وقالت الجملة الأخيرة:
— والملف الأسود ده… كان بس البداية.
ثم خرجت.
وبقي مروان واقفًا في منتصف الغرفة، لأول مرة بلا قوة، بلا ثقة، وبلا أي شيء يضمن له أن الغد سيكون كما كان يتخيل.
وخلف الباب… بدأت قصة جديدة لسلمى وابنها، لم يعد فيها مكان للخداع أو الوهم.
النهاية.

 

حكايات محمد عبده