رواية كامله


كانت ترى ما لا نراه.
هز رأسه بصمت.
في الجهة الأخرى، كان العمال ينقلون الأعلاف، وأحد الشباب يفتح خط الماء للأشجار. صفوف النخل كانت واقفة بثبات، كأنها تعرف أن هذه الأرض لا تعيش بالمظاهر، بل بالصبر.
هذه هي المزرعة.
ليست طاولات فاخرة.
ولا عقودًا يكتبها أشخاص لم تمس أيديهم التراب.
ولا صور زفاف تبحث عن خلفية جميلة.
عند العصر وصل المحامي عبدالعزيز القحطاني من الرياض.
دخل بسيارة عادية، لا تلفت النظر، ومعه حقيبة جلدية سوداء. لم يدخل من الباب الرئيسي.
دخل من ناحية الإسطبل.
كأنه يعرف أن الحقيقة لا تنتظر في المجالس الفاخرة.
قال دون مقدمات
زوجة ابنك اتصلت بموثقين اثنين. وسألت عن تقرير طبي لإثبات أنك غير قادر على إدارة أملاكك.
لم أتفاجأ.
ومع ذلك، شعرت بوخزة عميقة في صدري.
سألته
وسلمان؟
خفض عبدالعزيز عينيه قليلًا.
وقّع على الطلب بصفته الابن.
للحظة، اختفت أصوات المزرعة كلها.
لا عمال.
لا خيل.
لا هواء.
فقط سمعت صوت أمينة القديم وهي تقول
دع الأيام تكشف لك حقيقة كل شخص.
لقد كشفت.
لكن رؤية الحقيقة لا تجعلها أقل ألمًا.
قلت
إذن نرتب كل شيء كما أوصت أمينة.
فتح عبدالعزيز الحقيبة.
كانت بداخلها أوراق الأمانة، والصكوك، وكشوفات الحساب، ورسالة بخط أمينة، وذاكرة صغيرة فيها تسجيل مصور.
كانت قد جهزت كل شيء بدقة جعلت قلبي يضيق.
زوجتي كانت تودع الحياة ومع ذلك كانت تحميني.
قال عبدالعزيز
السبت سيعود المستثمرون. يريدون توقيع اتفاق مبدئي على جزء من الأرض وحقوق المياه. إذا نجحوا في إظهارك كأنك غير قادر، سيحاولون الالتفاف عن طريق سلمان.
قلت
دعهم يأتون.
نظر إليّ بحذر
أبو سلمان
قاطعته
دعهم يأتون جميعًا. لولوة، وسلمان، والمستثمرون، والموثقون، وكل من ظن أن رجلًا كبيرًا
في العمر لم يعد يعرف كيف يحمي بيته.
ابتسم عبدالعزيز ابتسامة خفيفة.
أم سلمان كانت ستقولها بكلمات أقل.
قلت
أمينة كانت ستنهيها قبل القهوة.
في مساء الجمعة، جاءني سلمان.
وجدته في المصلى الصغير الذي بنته أمينة قرب الحديقة الشرقية. مكان بسيط، سجادة نظيفة، مصحف على رف خشبي، ورائحة ورد كانت تحبه أمينة كثيرًا.
كان سلمان جالسًا وحده.
بلا لولوة.
بلا هاتف.
بلا ساعة فاخرة.
ولثوانٍ قليلة بدا مثل ابني القديم.
قال
يبه هل كانت أمي تظن أنني سيئ لهذه الدرجة؟
جلست بجانبه.
كان المكان هادئًا بطريقة تؤلم.
قلت
أمك لم تكن تظن أنك سيئ. كانت تخاف أن تضيع.
مسح وجهه بيده.
أنا فقط أردت أن أكبر المزرعة.
قلت
لا. أنت أردت أن تثبت أنك أكبر من المزرعة.
نظر إليّ بعينين حمراوين.
لولوة تقول إننا إذا لم نوقّع مع المستثمرين، ستتراكم علينا الديون. تقول إن الأرض صارت فرصة، وإن المياه قيمتها أعلى من المحاصيل، وإن المكان ممكن يتحول لمنتجع خاص ومركز خيل فاخر واستثمار كبير.
ضحكت بمرارة.
يسمون بيع الذكريات استثمارًا هذه الأيام.
قال
الأمر ليس بهذه البساطة.
طبعًا ليس بسيطًا الخېانة لا تكون بسيطة عندما يحاول صاحبها تبريرها.
خفض رأسه.
ثم قال بصوت ضعيف
أنا غارق في الديون يا يبه.
لم أتكلم.
أكمل
من قبل الزواج. مشاريع خسړت. قروض. التزامات. ظننت أن الصفقة ستنقذني. كنت سأشرح لك بعد التوقيع.
نظرت إليه وسألته
ودار الرعاية؟ هل كانت جزءًا من الشرح أيضًا؟
تغيّر وجهه.
لم أكن أريد ذلك.
لكنك وقّعت.
قال بصوت مكسور
لولوة قالت إنه حل مؤقت.
قلت بمرارة هادئة
لولوة قالت. لولوة أرادت. لولوة قررت. وأنت أين كنت يا سلمان؟
لم يجب.
خارج المصلى، كانت أصوات بعيدة تأتي من جهة البيت، بقايا ضيوف لا يعرفون أن ما يحدث داخل المزرعة أكبر من حفل انتهى.
قلت له بعد صمت
أمك تركت لك رسالة.
رفع وجهه بسرعة.
لي أنا؟
نعم. لكنني لن أعطيك إياها الآن.
لماذا؟
لأن رسالة أمينة لا تُقرأ لتخفيف الذنب. تُقرأ عندما يكون الإنسان مستعدًا أن يتغير.
نهضت ببطء.
وقبل أن أغادر، أمسك سلمان بطرف غترتي وقال
هل ما زال بإمكاني إصلاح شيء؟
نظرت إليه طويلًا.
أنا أبوه.
وهذا يجعل الحكم أصعب.
قلت
غدًا سنعرف.
صباح السبت كان واضحًا.
شمس الرياض بدأت ترتفع بهدوء،