ظننت أمي تبالغ… حتى أمسكت حماتي الميكروفون أمام الجميع


عالي.
تلك الكلمة وحدها حرّكت شيئًا داخلي.
الطمع.
هذا هو الشعور الحقيقي.
ليس حبًا.
ولا عائلة.
طمع في العنوان.
في الحي الراقي.
في المصعد الخاص.
في المجالس الواسعة.
في الصورة الاجتماعية التي كانت تمنحهم إياها تلك الشقة.
اقترب والدي من فيصل وقال بهدوء
لا تكبر الموضوع أكثر.
ضحك فيصل بمرارة
أكثر؟ زوجتكم أهانتنا قدام الناس.
رد والدي بنبرة ثابتة
لا أمك هي اللي بدأت.
وفي تلك اللحظة اقترب منسق الحفل وسأل پخوف
نكمل الرقصة الأولى؟
كدت أضحك.
الرقصة الأولى؟
حياتي كلها كانت تتفكك بجانب قالب الكيك، وهو يسأل عن الرقصة.
قلت
ما فيه رقصة.
ثم نزعت الطرحة بهدوء.
لم أرمها.
فقط وضعتها فوق طاولة الكيك.
علقت حبات اللؤلؤ قليلًا بشعري، وشعرت بالألم.
وأحببت ذلك الألم
لأنه أكد لي أنني ما زلت واعية، وأن كل هذا ليس كابوسًا.
خفض فيصل صوته
إذا طلعتي من هالباب لا ترجعين.
نظرت إليه طويلًا وقلت
أرجع لوين؟ لبيت أمك ولا للشقة اللي كنتوا مخططين تعيشون فيها؟
ولأول مرة
لم يجد جوابًا.
أحاطتني أمي بذراعها، وبدأنا نمشي نحو المخرج.
انقسم الضيوف بصمت ليفتحوا لنا الطريق.
بعضهم كان ينظر إليّ بشفقة.
وبعضهم بفضول.
وصديقاتي كنّ يبكين على الطاولة القريبة.
وأثناء مروري بجانب طاولة الهدايا، رأيت بطاقات مكتوبًا عليها
لمنزلكما الجديد.
شعرت بفراغ مؤلم.
لن يكون هناك منزل جديد مع فيصل.
في الخارج
كان هواء الرياض باردًا، تفوح منه رائحة المطر والإسفلت المبلل.
السيارات الفاخرة ما تزال مصطفة أمام القاعة، وعامل الاصطفاف ينظر إليّ مرتبكًا، لا يعرف إن كان يفتح الباب أو يقدّم التهنئة.
طلبت أمي السيارة.
كنت أرتجف.
سألتها
ليش ما قلتي لي من البداية؟
لم تدافع عن نفسها.
وهذا آلمني أكثر.
قالت
لو قلت لك كنتِ بتدافعين عنه.
لأنه
خطيبي.
وعشان كذا بالضبط.
استندت على العمود القريب، بينما كانت أصوات الحفل المحطم تصلنا من الداخل.
حتى الفرقة بدأت تعزف بهدوء مرتبك، وكأنهم لا يعرفون كيف يهربون من الکاړثة.
قلت بصوت مكسور
كيف عرفتي؟
شدّت حقيبتها إلى صدرها وقالت
سمعتها.
مين؟
أم فيصل يوم تجربة العشاء قبل الزفاف.
تذكرت ذلك اليوم فورًا.
طاولة طويلة.
أطباق فاخرة.
وأم فيصل تشتكي من تفاصيل القائمة.
قالت أمي
ظنت إني دخلت معها دورة المياه لكنها كانت تتكلم بالجوال مع صديقتها. قالت إنك نعمة لأن فيصل أخيرًا دخل حي النخيل بدون ما يدفع ريال.
اختفى الهواء من صدري.
وأكملت أمي
وقالت بالبداية بتسكنون عندك، وبعدها هي تنتقل عندكم بحجة التعب والصحة وبعدها يشوفون طريقة يقنعونك تبيعين الشقة وتدخل باسم العائلة.
همست
لا
قالت
فيصل كان واقف جنبها وسمع كل شيء.
ثم أضافت بصوت موجوع
وكل اللي قاله المهم نتزوج أول.
شعرت بالغثيان.
المهم نتزوج أول.
كأنني مجرد بوابة قانونية
وليست امرأة أحبها.
وصلت السيارة أخيرًا.
ركبنا بصمت ثقيل.
كنت أجلس في الخلف بفستان الزفاف، أمسك حذائي بيدي، بينما آثار المكياج بدأت تنزل على وجهي ببطء.
ومن خلف زجاج السيارة، كانت أضواء الرياض تبدو هادئة بشكل مستفز وكأن شيئًا لم يتحطم قبل دقائق داخل تلك القاعة.
تذكرت شقتي.
الممرات الهادئة.
القهوة التي كنت أشربها صباحًا قرب النوافذ الكبيرة.
والحياة التي تخيلت أنني سأبنيها مع فيصل.
كل ذلك
كاد يتحول إلى غنيمة باسم الزواج.
ولأول مرة فهمت لماذا كانت أمي ترتجف وهي تطلب مني نقل الشقة باسمها.
وصلنا إلى منزل أهلي بعد منتصف الليل.
دخلت غرفتي القديمة وأنا ما زلت أرتدي الفستان الأبيض.
نزعت الأقراط.
ثم الكعب.
ثم جلست على طرف السرير أحدّق في المرآة.
كنت أبدو كعروس انتهى حفلها منذ سنوات، لا منذ ساعات.
دخلت أمي بعد وقت قصير تحمل كوب بابونج ساخن.
وضعت الكوب أمامي وقالت
بكرة نراجع المحامي.
رفعت رأسي ببطء
للطلاق؟
قالت بهدوء
لكل شيء يحميك.
سكتُّ للحظة.
ثم همست
شكرًا يا أمي.
جلست بجانبي.
ولأول مرة منذ بداية الکاړثة
رأيتها تبكي.
لم يكن بكاءً عاليًا.
بل ذلك البكاء المتعب الذي يخرج من امرأة عاشت طويلًا بما يكفي حتى تتعرف على الخطړ قبل وصوله.
قالت بصوت مكسور
والله يا بنتي كنت أتمنى أكون غلطانة.
ارتميت في حضنها.
وفي تلك اللحظة فهمت أن شدتها لم تكن سيطرة
بل خوفًا قديمًا ترك ندبة داخلها.
في