ظننت أمي تبالغ… حتى أمسكت حماتي الميكروفون أمام الجميع


صباح اليوم التالي
كان هاتفي يشتعل بالرسائل.
فيصل.
أم فيصل.
أقاربه.
صديقات والدته.
رسائل طويلة عن سوء الفهم.
وعن أن أمي خربت الزواج.
وعن أنني بالغت.
ثم وصلتني رسالة من أم فيصل تقول
البيت ما يسوى أكثر من العائلة.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم كتبت لها
إذن اشتروا بيتًا لعائلتكم.
وبعدها حظرتها.
عند الساعة الحادية عشرة صباحًا
وصل فيصل إلى منزل أهلي.
لم يسمح له والدي بالدخول.
لكنني نزلت.
كنت بحاجة أن أراه مرة أخيرة بعيدًا عن الموسيقى والكاميرات والورود.
كان واقفًا عند الرصيف، بعينين متعبتين وقميص مجعد وباقة ورد اشتراها على عجل.
قال فور أن رآني
دانة حبيبتي.
شعرت بالنفور من الكلمة.
قلت ببرود
لا تناديني هكذا.
تغير وجهه قليلًا.
ثم قال
اللي صار أمس سوء فهم كبير.
ضحكت دون إرادة.
سوء فهم؟ أمك أعلنت قدام الناس أن بيتي صار بيت تقاعدها.
مرر يده في شعره بعصبية
أمي تكلمت بعفوية.
وأنت؟
سكت.
ثم قال
كنت ناوي أتكلم معك بعد شهر العسل.
ضحكت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الضحك موجعًا.
بعد ما تدخل أغراضك شقتي؟ وبعد ما تبدأ أمك تخطط للانتقال؟
اقترب خطوة
دانة لا تكونين قاسېة.
لا تكون أنت منافق.
انخفضت عيناه للحظة.
ثم قال
اسمعي صحيح أمي كانت تفكر تسكن معنا مستقبلًا، لكن مو بهالطريقة اللي تتصورينها.
بل بنفس الطريقة اللي سمعتها أمي.
شد الورود بقوة حتى انثنت السيقان بين يديه.
وقال
أمك لعبت بعقلك.
لا أمك ڤضحت خطتكم بدري.
رفع صوته لأول مرة
أنتِ عندك كل شيء يا دانة!
وهنا فقط
ظهر كل شيء بوضوح.
المشكلة لم تكن الحب.
المشكلة أنني أملك.
شقة.
مالًا.
اسمًا اجتماعيًا.
وحياة أراد أن يدخلها جاهزة.
قلت بهدوء
أنا تعبت حتى أمتلك هذا كله.
قال بسرعة
وأنا أيضًا أعمل.
لكنك لم تعمل لشقتي.
سكت.
ثم اقترب أكثر وهمس
نقدر نصلح كل شيء فقط أعيدي الشقة باسمك ونعمل اتفاق يرضي الجميع.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
يرضي من بالضبط؟
بدأ صبره ينفد.
اختفت ملامح الرجل الهادئ الذي أحببته.
وظهر ذلك الوجه البارد الذي رأيته ليلة الزفاف.
قال
لا تهدمين زواجنا بسبب شقة.
أجبته
زواجنا انهدم يوم اعتبرتم بيتي حقًا لكم.
سكت للحظة.
ثم قال بنبرة أخافتني
بتندمين.
هززت رأسي ببطء
يمكن لكن مو لأني حافظت على بيتي.
ثم أغلقت الباب.
وبقيت مستندة عليه حتى سمعت خطواته تبتعد.
في ذلك اليوم ذهبنا إلى مكتب المحامي.
المكتب نفسه الذي تعامل معه والدي لسنوات.
راجع المحامي الأوراق والصكوك بهدوء، ثم رفع رأسه وقال
الشقة خارج أي التزام زوجي بالكامل وما يقدر أحد يطالب فيها.
أخرجت أمي نسخة الصك من حقيبتها.
ووضعتها أمامي.
وقالت
متى ما تبينها ترجع باسمك ترجع.
نظرت إليها طويلًا.
ثم سألتها
ما زعلتِ إني شكيت فيك؟
ابتسمت بحزن وقالت
كان بيزعلني أكثر لو خسړتي بيتك عشان تثبتين ثقتك برجال غلط.
تلك الجملة بقيت عالقة داخلي طويلًا.
مرت الأسابيع التالية ببطء ثقيل.
ألغيت شهر العسل.
أعدت الهدايا.
بكيت على تفاصيل سخيفة
الأغاني.
بطاقات الدعوة.
الأحرف المطرزة على المناشف.
والفستان المغلق داخل الكيس الأسود.
لكن أكثر شيء أبكاني
هو النسخة التي أحببتها من فيصل.
النسخة التي اكتشفت متأخرًا أنها لم تكن كاملة أبدًا.
بعد فترة
ذهبت إلى شقتي وحدي.
استقبلني موظف الأمن بابتسامته المعتادة.
وصعد المصعد الخاص بهدوء حتى فتح مباشرة على الصالة.
كانت الشقة فارغة.
صامتة.
يدخلها ضوء العصر الذهبي من النوافذ الواسعة.
جلست على الأرض وسط الصناديق.
لم تكن هناك أثاثات كثيرة بعد.
فقط ماكينة قهوة.
وبعض الأطباق التي اشتريتها وأنا أتخيل حياة لشخصين.
بكيت
هناك طويلًا.
ليس على فيصل
بل على نفسي.
على المرأة التي كادت تتنازل عن مفاتيح حياتها حتى يقال عنها زوجة صالحة.
مرت الشهور.
وتقدمت إجراءات الطلاق بسرعة أكبر مما توقعت.
لم يكن هناك شيء يتناقشون حوله.
حاول فيصل المطالبة بتعويضات سخيفة بحجة الضرر المعنوي والإهانة أمام الناس.
لكن محاميتي وضعت فيديو أم فيصل على الطاولة.
الفيديو الذي تعلن فيه أمام الجميع أن الشقة ستكون منزلها المستقبلي.
وقالت ببرود
الإهانة بدأت من جهتكم.
ومن بعدها
اختفى ذلك الموضوع نهائيًا.
أما أم فيصل
فأرسلت رسالة أخيرة من رقم مجهول
المرأة بدون عائلة لا شيء.
كنت وقتها أجلس مع أمي في مطبخي، وهي تحضّر الفطور وكأن الحياة يمكن
إصلاحها بالشاي والخبز الساخن.
أريتها الرسالة.
قرأتها ثم ابتسمت بسخرية
مسكينة.
قلت
عندها فلوس وبيت.
قالت
مو كل الفقر فلوس يا دانة.
وضعت رأسي على كتفها وضحكت لأول مرة منذ شهور ضحكة حقيقية ونظيفة.
وبعد عام كامل
عادت الشقة رسميًا إلى اسمي.
ليس لأن أحد طلب ذلك.
ولا لأنني تزوجت مجددًا.
بل لأنني أنا قررت.
ذهبت أنا وأمي معًا لإنهاء الإجراءات.
ثم جلسنا في مقهى قريب من الحي.
كانت العائلات تمشي بهدوء.
والأطفال يركضون قرب الأشجار.
والمدينة تبدو هادئة بشكل غريب.
سألتني أمي بابتسامة خفيفة
للحين تحسين إني كنت أبالغ؟
تذكرت أم فيصل وهي تمسك الميكروفون.
وتذكرت فيصل وهو يقول
أنتِ عندك كثير.
ثم نظرت إلى أمي وقلت
لا أظن إنك تعرفين تكتشفين الطمع قبل ما يتكلم.
ابتسمت بهدوء.
وقالت
لأن الحياة علمتني بثمن غالٍ.
أسندت رأسي على كتفها.
ولأول مرة فهمت شيئًا مهمًا جدًا
الحب ليس دائمًا شخصًا يفتح لك الباب
أحيانًا الحب الحقيقي يكون أمًا تغلق الباب بالمفتاح
حتى تمنع العالم من أخذك مع البيت.