طبيبة حلقة السمك

في الليلة اللي كان مفروض فيها اسم آسر السلحدار يتصدر أغلفة مجلات المجتمع الراقي جنب خطيبته إنجي الهواري، ابن أكبر عيلة استثمار في مصر كان بيجري وسط شوارع إسكندرية القديمة زي الحرامي. المطر كان نازل خفيف فوق البحر، والعربيات السودا الفارهة بتاعة الحراسة بتلف الشوارع تدور عليه، بينما هو كان جاري ببدلته الإيطالي اللي تمنها يعدّي مرتب موظف عادي سنة كاملة، ووشه كله ڠضب واختناق. لأول مرة في حياته يحس إنه مخڼوق فعلاً. ملايينه كلها ماقدرتش تشتري له حق بسيط جدًا إنه يختار مين يحب.
أمه سهير السلحدار كانت ست متسلطة لدرجة مرعبة. الست اللي بنت إمبراطورية اقتصادية من حديد وڼار، واللي كانت شايفة ابنها مجرد قطعة شطرنج هتكمل بيها صفقة اندماج ضخمة مع عيلة الهواري. والجايزة الكبرى؟ جواز آسر من إنجي البنت الأرستقراطية المتعجرفة اللي شايفة نفسها ملكة متوجة فوق البشر.
لكن آسر كان عنده چرح مستخبي محدش يعرفه.
من 3 سنين، عربيته اتقلبت على طريق الساحل بعد محاولة اغتيال مدبرة، والڼار كانت ماسكة في العربية وهو بين الحياة والمۏت. كل اللي فاكره وقتها وش بنت دكتورة صغيرة، وشها مرهق، عينيها ثابتة بشكل غريب، وإيديها كلها ډم وهي بتنقذه. أنقذت حياته، اختفت قبل ما يفوق، وسابت وراها أثر مستحيل ينساه. ومن يومها وهو بيدور عليها في كل مستشفى وكل سجل وكل كاميرا. لكنه عمره ما لقاها.
وفي نفس الليلة اللي كان بيهرب فيها من خطوبته القدر كان بيرميه في طريقها من جديد.
دخل حلقة السمك في الأنفوشي وهو بيحاول ياخد نفسه. السوق كله زحمة وصړيخ وريحة بحر وزفارة وتلج مدشدش على الأرض. البياعين بيزعقوا، والسكاكين بتخبط في الطاولات، والناس بتجري تشيل رزقها قبل الفجر.
وفجأة خبط في بنت واقفة بتنضف سمك بلطي بسرعة واحتراف. كاد يقع في طشت سردين، لكنها مسكته من دراعه پعنف وثبات.
قالت وهي متعصبة حاسب يا أستاذ انت! داخل علينا طاير كده ليه؟!
رفع عينه لها واتجمد.
البنت دي مختلفة.
وشها مجهد، تحت عينيها هالات تعب، إيديها خشنة من الشغل، لكن عينيها عينيها فيها نفس الثبات اللي عمره ما نسيه.
قال بصوت متقطع أرجوكي محتاج أستخبى دقيقة.
ضحكت بسخرية إحنا بقينا أوتيل ولا إيه؟ اشتري سمك الأول.
طلع الكارت الأسود بسرعة خدي اللي انتي عايزاه.
بصت للكارت، وبعدها خبطته في صدره فلوسك دي تشتغل على غيري. لو هتشتري ادفع كاش.
لأول مرة من سنين حد يكلمه كده.
محدش كان بيرفض له طلب. محدش كان بيبص له كإنسان أصلاً، كله كان بيشوف حساب البنك. لكن البنت دي لا مهتمة باسمه ولا فلوسه.
البودي جاردات عدوا من قدام المحل، وهو مستخبي ورا صناديق السمك وهي واقفة قدامه بثبات رهيب. بعدها موبايله رن. رسالة من أمه لو مرجعتش حالًا اعتبر نفسك مطرود من العيلة.
بص للرسالة بحزن حقيقي.
فرح لمحت التعب في وشه وقالت واضح إن وراك مصېبة.
ضحك لأول مرة عيلة.
هزت راسها دي أوسخ من المصاېب كلها.
ولأسباب حتى هو نفسه ما فهمهاش، لقى نفسه بيقول تتجوزيني؟
السکينة وقعت من إيدها.
إيه؟!
جواز مصلحة. شهرين، تلاتة، سنة اللي يريحك. تمثلي إنك خطيبتي وقدام الناس مراتي، وأنا هدفعلك مبلغ يغير حياتك.
ضحكت بعصبية أنت مچنون رسمي.
لكن لما قال الرقم وشها اتغير.
25 ألف دولار في الشهر.
المبلغ ده كان كفاية ينقذ أمها بالتبني من المۏت، ويسدد ديون أخوها عمر، ويمنع طردهم من البيت.
سكتت شوية، وبعدها قالت أنا موافقة بس بشروطي.
رفع حاجبه اللي تطلبيه.
مفيش لمس. مفيش تحكم. ومحدش يذلني.
بصلها بثبات وعد.
بعد يومين، دخلت فرح قصر السلحدار