الطفل


قالب حلوى.
ولا صور عائلية.
أدلت نوال بأقوالها وهي تبكي أمام الجميع، بينما بدأ فؤاد بإجراء اتصالات سريعة بالمحامين.
أما الممرضة لورا حداد، فقد عثروا عليها بعد يومين في عيادة خاصة خارج بيروت، تعمل باسم مختلف.
في البداية أنكرت كل شيء.
ثم رأت التحويلات البنكية.
وبعدها اڼهارت.
قالت إن تلك الليلة داخل قسم الولادة كانت فوضى كاملة.
أربعة أطفال.
أساور مختلطة.
ملفات طبية متداخلة.
لكن الخطأ كان يمكن إصلاحه في نفس الليلة.
كان يمكن.
إلى أن وصلت نوال إلى المستشفى.
بالمال.
وبالنفوذ.
وباسم العائلة.
اعترفت لورا أن ابني البيولوجي سُلّم إلى زوجين شابين من طرابلس، كانا قد خسرا حملين سابقين ريم وجهاد عواد.
أناس عاديون.
هادئون.
أخذوا طفلًا ظنوه طفلهم.
وأنا أخذت آدم.
الطفل الذي لم يخرج من جسدي لكنه دخل روحي.
عندما أعطوني عنوان عائلة عواد، تقيأت داخل حمام المحكمة.
ليس من القرف.
بل من الخۏف.
كيف يمكن لامرأة أن تطرق باب بيت لتقول
الطفل الذي تحبونه هو ابني؟
كيف يمكن انتزاع حياة كاملة من أم لم ترتكب ذنبًا؟
سافرنا إلى طرابلس صباح يوم رمادي.
كنت مع أمي، ومع كريم، ومع أخصائية اجتماعية.
وكان آدم نائمًا فوق كتفي، يده الصغيرة ممسكة بقميصي.
كل مرة كان يناديني فيها ماما، كان شيء داخلي ېتمزق.
كان منزل عائلة عواد صغيرًا، مطليًا بالأزرق، وعلى الشرفة ملابس أطفال تتحرك مع الهواء.
فتحت لنا امرأة الباب.
كانت تقريبًا بعمري.
وجه متعب.
وعينان طيبتان.
نعم؟
حاولت الكلام، لكن صوتي اختفى.
تدخلت الأخصائية الاجتماعية وشرحت الأمر بهدوء.
اختفى اللون من وجه المرأة فورًا.
لا قالت لا، هذا مستحيل. ابني ليس
ثم ظهر طفل صغير خلفها.
كان يحمل سيارة حمراء بيده.
وتوقف الزمن.
رأيت نفسي فيه.
عيناي.
ذقني.
حتى الشامة الصغيرة قرب الحاجب شامة أبي.
ابني.
ابني الحقيقي.
كان اسمه طارق.
نظر إليّ بفضول بريء.
ماما من هؤلاء؟
أطلقت ريم شهقة مكتومة واحتضنته بسرعة.
وطفلان.
وأربع أرواح على وشك الانكسار.
لم تحدث صرخات.
ولا اټهامات.
فقط ذلك الألم الضخم الذي يجعل الكلام مستحيلًا.
جلسنا داخل الصالون الصغير.
كانت الأخصائية تتحدث عن التحاليل والإجراءات والحقوق والدعم النفسي.
لكنني بالكاد سمعت شيئًا.
كنت فقط أنظر بين طارق وآدم، وأشعر أن قلبي موزع بين طفلين.
نظرت إليّ ريم بعينين متورمتين من البكاء.
والله ما كنت أعرف.
وأنا أيضًا.
طارق حياتي كلها.
نظرت إلى آدم.
وآدم كذلك.
وفي تلك اللحظة فهمت الحقيقة الأقسى
لا توجد نهاية نظيفة لهذا النوع من الألم.
لا توجد عدالة لا ټجرح أحدًا.
ولا طريقة لإعادة كل طفل إلى مكانه من دون تحطيم العالم الوحيد الذي عرفه.
أكدت التحاليل كل شيء.
طارق ابني البيولوجي أنا وكريم.
وآدم ابن ريم وجهاد.
تم الادعاء على نوال.
وعلى لورا أيضًا.
أما فؤاد فحاول التظاهر بأنه لم يكن يعرف شيئًا، لكن سجلات الاتصالات دمّرته.
وسرعان ما وصلت القصة إلى الإعلام.
اسم المرّ الذي استُخدم طويلًا لإذلالي تحول إلى ڤضيحة في كل مكان.
لكن الاسم لم يعد يهمني.
ما كان يهمني فقط طفلان.
عشنا شهورًا ثقيلة.
جلسات علاج.
زيارات.
محاكم.
ليالٍ من البكاء.
آدم لم يفهم لماذا نذهب كثيرًا إلى منزل طارق.
وطارق لم يفهم لماذا تلك المرأة التي تبكي كلما عانقته تقول إنها أيضًا أمه.
كان بإمكان قاضٍ أن يتخذ قرارًا باردًا وينهي كل شيء.
لكن ريم وأنا فعلنا شيئًا لم
يتوقعه أحد.
جلسنا يومًا على مقعد خارج المحكمة.
كلتانا مرهقة.
ومکسورة.
وعيوننا فارغة من كثرة البكاء.
قلت لها
لا أستطيع أن أعطيك آدم وكأنه حقيبة وُضعت عند الباب الخطأ.
بكت بصمت.
وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك مع طارق.
نظرنا إلى بعضنا طويلًا.
وفهمنا شيئًا من دون كلام
عدوتي لم تكن ريم.
ولا أنا.
بل المرأة التي اعتقدت أن الأطفال يمكن اختيارهم مثل قطع الأثاث الفاخرة.
لذلك اتفقنا.
ليس اتفاق ډم.
بل اتفاق حب.
الأطفال سيكبرون مع العائلتين.
بهدوء.
بصدق.
ومن دون انتزاع.
سيبقى آدم معي، لكن ريم وجهاد سيكونان جزءًا من حياته.
وسيعيش طارق معهما، لكنني أنا وكريم سنكون حاضرين أيضًا.
في البداية كان الأمر غريبًا جدًا.
أعياد ميلاد مشتركة.
أعياد ضخمة.
أمّان تبكيان سرًا داخل المطبخ.
ورجلان يحاولان إخفاء شعورهما