في عيد ميلادي الثالث والستين، همس ابني أمام الكعكة


بإمكانك قانونيًا البدء بإجراءات البيع أو الرهن.
قال سيف فجأة بعصبية
لم أكن سأتركه في الشارع!
صړخت زهراء
لكنك كنت ستبيع كل شيء!
ارتفع صوتها للمرة الأولى.
حتى الأطفال ارتعبوا.
اقتربت رقية من أمها بسرعة وهي تبكي.
أما آدم
فاختبأ خلف كرسيي.
نظرت إلى حفيدي الصغير.
كان يرتجف.
فشعرت بشيء ينهار داخلي للمرة الأخيرة.
لأن الأطفال
لا يجب أن يروا آباءهم بهذه الصورة.
ولا يجب أن يتعلموا الخۏف داخل بيت العائلة.
وقفت ببطء.
فالټفت الجميع نحوي.
قلت بهدوء
خذوا الأطفال إلى الغرفة الأخرى.
تحركت زهراء فورًا.
لكن رقية بقيت واقفة مكانها.
وعيناها معلقتان بوالدها.
ثم سألت بصوت مرتجف
بابا
هل أنت لص؟
أغمض سيف عينيه فورًا.
وكأن السؤال طعنه مباشرة في قلبه.
أما زهراء
فأجهشت بالبكاء.
اقتربت من ابنتها بسرعة واحتضنتها.
لا تقولي هذا يا ابنتي
لكن الطفلة بكت أكثر.
لكنه أراد أن يأخذ بيت جدي
لم أعرف ماذا أقول.
ولا سيف عرف.
لأن الحقيقة أحيانًا تكون قاسېة إلى درجة أن الأطفال وحدهم يستطيعون قولها ببساطة.
أخذت زهراء الطفلين إلى الداخل.
وبقي الرجال وحدهم حول السفرة.
أنا.
وسيف.
وفاضل.
وأبو علي.
وجاسم.
وصوت الملاعق الباردة فوق الصحون الممتلئة التي لم يعد أحد يريد لمسها.
قال أبو علي بهدوء
تعرف يا سيف
أبوك لم يترك يومًا راتب عامل يتأخر.
رفع سيف رأسه بصمت.
فأكمل
حتى أيام الحصار
كان يبيع ذهب أمك حتى يدفع للعمال.
ابتلع سيف ريقه بصعوبة.
أما جاسم فقال
كنا نعتبر الورشة بيتنا.
ولذلك حين رأيناك تدخل ليلًا وتصور العقود
خفنا على الحاج أكثر من خوفنا على أنفسنا.
خفض سيف رأسه مرة أخرى.
وقال بصوت مكسور
كنت خائفًا.
ساد الصمت.
ثم أكمل
كل يوم كنت أصحو وأنا أفكر كيف سأدفع.
كيف سأهرب.
كيف سأمنع الڤضيحة.
ثم نظر نحوي مباشرة.
وفي النهاية
بدأت أرى موتك حلًا.
شعرتُ وكأن شيئًا باردًا انغرس في صدري.
لكنني لم أصرخ.
لأنني كنت متعبًا جدًا.
متعبًا بطريقة لا تصنعها الخېانة وحدها
بل تصنعها السنوات.
سنوات الصمت.
والتعب.
والأبوة التي تظن أنها تكفي لمجرد أنك تؤمّن المال والطعام.
جلست ببطء فوق الكرسي.
ثم قلت
هل تعرف ما أكبر خطأ ارتكبته أنا؟
رفع الجميع عيونهم نحوي.
حتى فاضل.
قلت وأنا أحدق في استكانة الشاي
ظننت أن البيت يُبنى بالمال فقط.
ساد الصمت.
ثم أكملت
كنت أعمل طوال الوقت.
أعود متعبًا.
أصرخ أحيانًا.
أنام أحيانًا دون أن أسأل ماذا يحدث داخل قلوبكم.
رفعت عيني نحو سيف.
وحين كبرت
وجدت نفسك رجلًا لا يعرف كيف يتكلم معي إلا عن المال.
بدأت دموع سيف تنزل بصمت.
أما أنا
فكنت أشعر أن أمينة تسمعنا الآن من مكان بعيد.
كانت دائمًا تقول
الرجال في بلادنا يتعلمون كيف يعملون
لكن لا أحد يعلمهم كيف يحبون أبناءهم بالكلام.
قال سيف بصوت مخڼوق
كنت أخاف منك يا أبي.
ابتسمتُ بحزن.
وأنا كنت أظن أن الخۏف احترام.
ارتجفت شفتاه.
ثم قال
كل مرة كنت أحاول أن أفتح معك موضوعًا
كنت تنهيه بكلمة واحدة.
لاحقًا.
تنهدت طويلًا.
لأنني تذكرت.
تذكرت عشرات المرات التي دخل فيها عليّ الورشة يريد الحديث
وأنا أطلب منه الانتظار.
تذكرت أمينة وهي تقول لي
سيأتي يوم لا يعرف ابنك كيف يتكلم معك.
ويبدو أن ذلك اليوم جاء فعلًا.
لكن رغم كل شيء
لم تكن الچروح القديمة مبررًا لما فعله.
قلت بهدوء
تقصيري لا يعطيك الحق أن تدفنني حيًا.
انهار سيف باكيًا.
ولأول مرة منذ سنوات
سمعت صوت بكاء ابني الحقيقي.
ليس صوت الرجل الغاضب.
ولا المقامر.
ولا الطامع.
بل ذلك الطفل القديم الذي ضاع بيننا منذ زمن.
رفع فاضل الملف بهدوء وقال
الحل الآن واضح.
نظرنا إليه.
يتم إيقاف كل

صلاحيات سيف المالية.
وتُراجع الديون قانونيًا.
وأي محاولة جديدة للتصرف بأملاك الحاج ستتحول فورًا إلى قضية رسمية.
ثم نظر إلى سيف بصرامة.
وهذه ليست تهديدات.
هذه إجراءات حقيقية.
هز سيف رأسه بصمت.
ثم أخرج مفاتيح الورشة من جيبه.
نظر إليها طويلًا.
وكأنه يودّع جزءًا من حياته.
ثم وضعها أمامي فوق الطاولة.
الصوت المعدني الصغير
كان أشبه بصوت جنازة.
قال بصوت مكسور
سامحني يا أبي.
أغلقت عيني للحظة.
لكنني لم أستطع الرد بسرعة.
لأن بعض الاعتذارات تأتي بعد أن تكون الروح قد تعبت أكثر من اللازم.
وفي الداخل
كانت زهراء تقرأ القرآن بصوت منخفض للأطفال.
وصوتها المرتجف يصل إلينا من خلف الباب.
فشعرتُ