دفنت زوجتي… وبعد شهرين فقط كنت أدفن أطفالي واحدًا وراء الآخر!


آخر مرة أمسكت فيها يدها داخل المستشفى.
كانت يدها صغيرة وباردة جدًا.
وكانت تنظر إليّ بتعب، بينما الأجهزة حولها تصدر أصواتًا متقطعة.
جلست قربها طوال الليل.
أقرأ القرآن بصوت منخفض.
وأدعو الله فقط أن تبقى.
لكنها رحلت بهدوء كما رحل إخوتها قبلها.
في ذلك اليوم شعرت أن البيت الذي كنت أعود إليه كل مساء لم يعد موجودًا أصلًا.
عدت وحدي.
فتحت الباب ببطء.
دخلت إلى البيت وأنا أحمل مفاتيحي بيد مرتجفة، وكأنني لأول مرة أدخل هذا المكان الذي عشت فيه سنوات طويلة.
لم يكن هناك صوت أطفال.
لا ألعاب صغيرة مرمية على الأرض كما كانت تفعل لجين كل يوم.
لا صوت محمود وهو يبكي في منتصف الليل.
لا خطوات سامر الصغيرة وهو يركض داخل الحوش ويختبئ خلف الباب حتى يخيفني ويضحك.
كل شيء كان ساكنًا بشكل موجع.
حتى الجدران شعرت أنها صامتة أكثر من المعتاد.
أغلقت الباب خلفي، وبقيت واقفًا في مكاني لثوانٍ طويلة، أنظر حولي وكأنني أبحث عنهم بعيني رغم أنني أعرف أنهم لن يعودوا.
رأيت دمية لجين قرب الأريكة.
كوب سامر الصغير ما زال فوق الطاولة.
وغطاء محمود بقي مطويًا في زاوية الغرفة كما تركته آخر مرة.
اقتربت ببطء وجلست في وسط الغرفة.
لا أعرف كم مرّ من الوقت وأنا على تلك الحال.
ربما دقائق وربما ساعات.
كنت أنظر إلى كل زاوية في البيت وأشعر أن جزءًا مني مدفون هناك.
في تلك الزاوية كانت لجين تجلس قرب أمها وترسم.
وهناك كان سامر يضحك بصوت عالٍ لأنه سكب الماء على نفسه.
وعند تلك الغرفة الصغيرة كنت أسهر قرب محمود وهو نائم، أراقب صدره الصغير وهو يرتفع
وينخفض بهدوء.
كل شيء بقي كما هو.
إلا هم.
مددت يدي نحو إحدى صورهم المعلقة على الجدار.
بقيت أحدق فيها طويلًا.
وجوه بريئة لا تعرف شيئًا عن قسۏة الدنيا.
وجوه كانت تثق بي بالكامل.
وكنت أظن أنني أحميها.
لكنني فشلت.
ذلك الشعور كان ېقتلني كل ليلة.
شعور أنني كنت موجودًا معهم داخل البيت نفسه ولم أفهم ما كانوا يعيشونه.
كنت أظن أن التعب الذي يظهر عليهم سببه فقدان أمهم.
وأن خوف لجين مجرد حزن طبيعي.
وأن صمت سامر سببه المړض.
لم يخطر ببالي أبدًا أن الخطړ كان قريبًا منهم إلى هذه الدرجة.
بعد كل ما حدث، فهمت أن الإنسان قد يرتكب أخطاء كبيرة وهو يظن أنه يفعل الصواب.
كنت أعتقد أن أطفالي بحاجة إلى أم ثانية تحتويهم وتخفف عنهم ۏجع الفقد.
ولم أنتبه أن المشكلة ليست في الوحدة دائمًا بل في الشخص الخطأ الذي يدخل حياتنا بثقة كاملة.
تعلمت أن الأطفال لا يعرفون دائمًا كيف يشرحون خوفهم.
أحيانًا يصمت الطفل لأنه خائڤ.
وأحيانًا يبتسم رغم الألم لأنه لا يفهم ما يحدث له أصلًا.
لذلك يحتاجون إلى من يراقب تفاصيلهم الصغيرة.
طريقة نومهم.
نظراتهم.
خوفهم المفاجئ.
تغير أصواتهم.
حتى صمتهم أحيانًا يكون صړخة لا يسمعها أحد.
وتعلمت أيضًا أن بعض الناس يخفون خلف الهدوء وجوهًا أخرى لا تظهر بسرعة.
وأن الكلام الطيب وحده لا يكفي حتى نأتمن أحدًا على أرواح