كنت أعتبر حماي عبئًا على بيتي… وبعد مۏته اكتشفت أنه كان يحمي عائلتي بصمت طوال عشرين سنة


هاتفه دون أن يرفع صوته.
خرج قاسم وهو يلعن، وإخوته خلفه.
عند الباب صړخ بأنه سيقاضينا، وأن البيت القديم له أيضًا، وأن الحاج عبدالجبار كان قد فقد عقله.
أغلقت سعاد الباب.
وبقي البيت في صمت.
لم يكن صمت الغياب.
كان صمتًا آخر.
صمتًا ممتلئًا بالخجل.
في تلك الليلة لم يتناول أحد العشاء.
دخلت الغرفة الصغيرة آخر الممر.
طوال عشرين سنة رأيتها غرفة مشغولة.
ولم أرها يومًا كعالم رجل.
كان فيها سرير ضيق.
وخزانة صغيرة.
وصورة دينية قديمة.
وراديو عتيق.
وصندوق أحذية مليء بالقصاصات.
وعلى الجدار صور لأولادي من الروضة حتى الجامعة.
صور لم أكن أعرف أصلًا أنه طبعها.
في الدرج وجدت أكياسًا صغيرة فيها عملات معدنية مكتوب عليها
للعيد.
للمناسبات.
للحلوى مع الأولاد.
تذكرت مرة أصر فيها الحاج عبدالجبار أن يأخذ علي ومريم ليشتري لهما شيئًا بسيطًا.
ڠضبت وقتها وقلت إنه لا يوجد مال للمشاوير.
عاد ومعه خبز وحلوى ملفوفة بورق.
وقال إن البائع أجّله بالدفع.
الآن فهمت أنه لم يكن كذلك.
دخلت سعاد خلفي.
أنا أيضًا لم أكن أعرف كل هذا.
جلست على سرير أبيها.
جعلته يشعر أنه زائد عن البيت.
قالت بهدوء
أحيانًا نعم.
لم أدافع عن نفسي.
قالت
لكنك اعتنيت به أيضًا. حتى وأنت تتذمر. حتى وأنت تغضب. اعتنيت به حين تركه أولاده.
قلت
هذا لا يمحو ما قلته.
لا. لكنه يفسر لماذا كتب اسمك أنت على الظرف.
أمسكت عقاله الرمادي من فوق الخزانة.
كان يحمل رائحة الغبار والصابون والحوش.
قلت بصوت مكسور
أريد أن أطلب منه السماح.
جلست سعاد إلى جانبي.
إذن افعل ما طلبه.
في اليوم التالي ذهبنا مع المحامي لرؤية البيت القديم.
فتح الباب بالمفتاح الصدئ.
لم يكن في الداخل فخامة.
كان فيه ذاكرة.
طاولة خشبية.
صناديق قديمة.
مطبخ ببلاط قديم.
وحوش واسع.
أرانا المحامي الوصية كاملة.
البيت لا يمكن بيعه لمدة عشر سنوات.
ويجب استخدامه ثلاثة أيام في الأسبوع كمطبخ خيري لكبار السن الذين لا عائلة لهم، وكمنحة بسيطة للشباب الذين يتعلمون مهنًا.
وإذا لم ننفذ الشرط، ينتقل البيت إلى جمعية محلية.
قرأت الشرط مرتين.
مطبخ خيري؟
ابتسمت سعاد وهي تبكي.
أبي لم يكن يريد أن يأكل أحد وهو يشعر أنه عبء.
وهذا كسرني من الداخل أكثر.
لأشهر، رممنا البيت.
ليس من صندوق أولادي.
بل بيديّ.
بعد عملي في الورشة، كنت أذهب لأصنفر الطاولات، وأطلي الجدران، وأصلح الكراسي.
علي ركّب بعض الأشياء الكهربائية.
ومريم رسمت لوحة صغيرة في الحوش
رجل بعقال رمادي يقدم الشاي.
في أول يوم للمطبخ، جاء ستة كبار في السن.
ثم صاروا اثني عشر.
ثم عشرين.
جلس رجل اسمه أبو إياد على الكرسي الرئيسي وسأل
هل ندفع شيئًا؟
شعرت أن الحاج عبدالجبار ينظر إليّ من مكان ما.
قلت
لا. هنا تقول شكرًا إن أحببت. لكن لا أحد يدفع.
قدمنا مرق العدس، والأرز، والخضار، والخبز الساخن، والشاي.
وسعاد لم تترك أحدًا يغادر دون قطعة خبز.
أما أنا، فغسلت الأطباق.
كل طبق كنت أفركه بدا لي كاعتذار متأخر.
قاسم رفع دعوى فعلًا.
لكنها لم تطل.
الأوراق كانت سليمة.
والتسجيلات واضحة.
ومحاولات الضغط كانت مثبتة.
في الجلسة، استمع القاضي إلى مقطع يقول فيه قاسم
وقّع يا أبي. حيدر يتحملك فقط لأن سعاد تجبره.
أغمضت عيني.
الحاج عبدالجبار لم يكن يعرف فقط ما أقوله أنا.
كان يعرف أيضًا ما يظنه الآخرون.
خسر قاسم القضية.
وعند خروجه واجهني في الممر.
قال
استمتع بما أخذته من أبي.
نظرت إليه بتعب.
الشيء الوحيد الذي أخذته منه هو الصبر. وحتى هذا لم أعرف كيف أشكره عليه.
لم يرد.
ولم يعد إلى المطبخ الخيري.
ولا إخوته.
لكن بعد فترة،
ظهر ولد في الثانية عشرة تقريبًا.
كان حفيد قاسم.
يحمل حقيبة ممزقة، وينظر إلى الأرض.
قال
جدي يقول إنكم تعطون طعامًا هنا.
نظرت إليّ سعاد.
أخذت نفسًا عميقًا.
قلت له
هنا لا نرمي الطعام كصدقة على الناس. هنا نتقاسمه.
ثم قدمت له طبقًا.
لأن ما علّمني إياه الحاج عبدالجبار متأخرًا، أن فقر الكبار لا يجب أن يرثه الصغار.
مر عام.
صار مطبخ الحاج عبدالجبار يفتح أيضًا أيام السبت.
كان معلم متقاعد يعلّم بعض شباب الحي
الحساب.
وكانت امرأة كبيرة تأتي أحيانًا وتبيع مناديل مطرزة وتحكي للناس عن أيامها.
كنت أستمع أكثر مما أتكلم.
وهذا أيضًا تعلمته من الرجل العجوز.
في أحد الأيام، وضعنا له صورة صغيرة.
سعاد وضعت صورته بالعقال الرمادي.
علي وضع الراديو.
مريم وضعت كوب شاي.
وأنا وضعت طبق عدس وقطعة خبز.
وقفت أمام صورته طويلًا.
قلت بصوت منخفض
سامحني يا حاج عبدالجبار. سامحني لأنني كنت أعدّ ما تكلفه، ولم أعدّ ما تساويه.
أمسكت سعاد يدي.
أظن أنه كان يعرف.
سألتها
أنني أحببته؟
قالت
لا. أنه سيأخذ منك وقتًا حتى تفهم.
بكيت.
لكن ليس مثل أول مرة.
بكيت بحزن أقل قسۏة.
حزن بدأ يفعل شيئًا.
في تلك الليلة، عندما أغلقنا المطبخ، جلست على الكرسي نفسه الذي رحل عليه.
نقلناه إلى البيت القديم ووضعناه في الحوش.
شربت الشاي.
وقطعت الخبز.
وجلس الصمت معي.
لم يكن الحاج عبدالجبار.
لكنه كان يشبهه.
طوال عشرين سنة ظننت أن رجلًا يجلس على سفرتي يأخذ مني المساحة، والمال، والمستقبل.
لم أرَ أنه كان يحفظ المستقبل داخل دفتر أزرق.
لم أرَ أن كل الله يخليك يا وليدي كانت طريقته في الاعتذار لأنه لا يستطيع أن يشرح.
لم أرَ أن كبار السن لا يكونون دائمًا عبئًا.
أحيانًا يشغلون المكان نفسه الذي تُختبر فيه إنسانيتنا.
أنا فشلت مرات كثيرة.
والحاج عبدالجبار كان يعرف.
ومع ذلك، كتب اسمي في الظرف.
ليس لأنني كنت الأفضل.
بل لأنني كنت ما زلت قادرًا على التغير.
والآن، كلما دخل رجل مسن إلى المطبخ وسأل إن كان يستطيع الجلوس، أسحب له كرسيًا.
وكلما قال أحدهم لا أريد أن أزعجكم، يضيق حلقي.
أتذكر الرجل العجوز في الغرفة الصغيرة آخر الممر.
عقاله الرمادي.
شايه الدافئ.
وطريقته في الاختفاء حتى لا يطلب شيئًا.
ثم أقول له ما كان يجب أن أقوله منذ اليوم الأول
اجلس. هذه السفرة لك أيضًا.