دخلتُ لأسرق… فوجدت طفلة تخاف من العودة إلى “أمها”


رجل في الأسفل.
ضخم، يرتدي جاكيت أسود وقبعة.
رآني.
انزلي يا بنت.
أنا مو بنت، يا حيوان.
أمسك السلم.
ركلتُ أصيصًا يابسًا.
سقط على وجهه.
وأطلق شتيمة عالية.
في السطح، ضربنا الهواء البارد.
كانت تظهر أسطح البيوت المتلاصقة، والخزانات، والأسلاك، ومئذنة بعيدة، وسماء بغداد الداكنة التي لا تنطفئ بالكامل.
وفي الأسفل كانت المدينة تكمل حياتها كأن شيئًا لا يحدث.
بائع شاي ينادي في آخر الشارع.
كلب ينبح.
وضحكة بعيدة خرجت من بيت ما.
وفي هذا البيت كانوا يريدون إخفاء طفلة للمرة الثانية.
أنا لا أرى قالت زهراء وهي ترتجف.
أنا أرى.
كذبت.
الحقيقة أنني كنت أرى بالكاد.
كان السطح مليئًا بالأغراض القديمة.
أسطوانات غاز، وسطل ماء، ودراجة بلا إطار، وأغطية رطبة.
بحثتُ پجنون.
البيت المجاور كان قريبًا جدًا.
بين السطحين أقل من متر.
بالنسبة لي، كان ممكنًا.
أما بالنسبة لزهراء فكان هاوية.
الرجال بدأوا يصعدون.
اسمعيني يا زهراء.
لا أستطيع القفز.
تستطيعين.
سأقع.
لن أتركك.
هزّت رأسها.
أميرة كانت تقول هذا أيضًا.
ضړبني الاسم كلكمة.
انحنيت أمامها، ووضعت يدي على صدرها.
اسمعي صوتي. اشعري بمكاني. أنا لست أميرة. لن أبيعك. نعم، دخلت لأسرق لكنني لن أخرج من دونك.
ارتجفت شفتاها.
تعديني؟
منذ سنوات لم أعد أحدًا بشيء.
الوعود كانت للناس الذين لديهم سرير، وأم، وفطور صباحي.
أما أنا فكان عندي خوف، وديون، وحقيبة فارغة.
لكن تلك الليلة، فوق ذلك السطح، ورجال يصعدون لخطڤ طفلة عمياء وعدتُها وكأن كلمتي ما زالت تساوي شيئًا.
أعدك.
قفزتُ أولًا.
سقطت على سطح البيت المجاور، وارتفع الألم حتى خصري.
ثم مددت ذراعي.
تعالي.
تنفست زهراء ثلاث مرات.
واحدة.
اثنتان.
ثلاث.
ثم قفزت.
التقطتها بصعوبة.
وسقطنا معًا على الأرض.
خدشت مرفقيّ.
وضربتني جبهتها في ذقني.
لكنها بقيت معي.
حية.
خلفنا، شتم
الرجل صاحب القبعة.
لكنه لم يجرؤ على القفز.
ركضنا منحنيتين.
ونزلنا عبر درج تفوح منه رائحة الصابون والطعام.
فتحت امرأة الباب، مرتدية عباءة منزلية، وخائڤة.
من أنتما؟
لم أستطع اختراع شيء.
أخرجت الورقة المجعدة من داخل الجاكيت.
هذه الطفلة مخطۏفة. اتصلي بالشرطة.
نظرت المرأة إلى زهراء.
ورأت آثار الرباط في معصميها.
ورأت وجهي وجه الحرامية.
ولثانية واحدة ظننت أنها ستغلق الباب.
لكنها لم تفعل.
تمتمت
يا ساتر يا رب.
ثم أدخلتنا إلى مطبخها.
وأغلقت الباب بالمفتاح.
خرج زوجها ممسكًا بعصا خشبية.
من الذين خلفكم؟
ثلاثة رجال وامرأة.
إذن لن يدخلوا هنا.
أمسكت المرأة الهاتف بسرعة.
ما اسمكِ يا ابنتي؟
حرّكت زهراء رأسها باتجاه صوتي.
لم تجب.
أنا أجبت بدلًا عنها.
زهراء علي جاسم.
تغيّر صوت الموظفة على الطرف الآخر فورًا.
شعرت بذلك حتى من دون أن أسمع الكلمات.
بدأت المرأة تكرر العنوان بسرعة.
قالت مدينة الثورة.
قالت طفلة مفقودة.
قالت خطڤ.
قالت البيت المجاور.
قالت تعالوا بسرعة.
بعد دقائق، بدأ الرجال يضربون باب الجيران.
وقف الرجل صاحب العصا أمام الباب.
لا يوجد أحد هنا.
لا تدخل نفسك بالموضوع، حاج.
خلاص دخلت.
تأخرت سيارات الشرطة لكنها وصلت.
أولًا سيارة.
ثم ثانية.
ثم سيارة أخرى بلا شعارات كبيرة.
دخل رجال الشرطة بأسلحتهم.
حاولت أميرة الخروج وهي تبكي، وشعرها مبعثر، والقصة جاهزة على لسانها.
خطفوا بنتي!
سمعت زهراء صوتها، فاختبأت تحت الطاولة.
ركعتُ قربها.
لن تلمسك.
هي دائمًا ترجع.
هذه المرة لا.
كانت أميرة تصرخ بالخارج.
هاي بنتي! هاي الحرامية دخلت بيتي!
أطلّ شرطي إلى المطبخ ورآني.
توقفت عيناه عند حقيبتي، والسکين المرمية، وملابسي.
رفعت يدي ببطء.
أنا دخلت حتى أسرق.
نظرت إليّ الجارة وكأنني فقدت عقلي.
قطّب الشرطي حاجبيه.
شنو؟
دخلت أسرق البيت. وجدت الطفلة. الورقة معي. كانت مربوطة. هناك امرأة ورجال. افعلوا ما تريدونه بي لكن أخرجوها أولًا من هنا.
خرجت زهراء من تحت الطاولة.
مدّت يدها تبحث عني.
ثم أمسكت أصابعي.
هي أعطتني فاصوليا قالت.
ابتلع الشرطي ريقه.
أحيانًا جملة صغيرة تكون أثقل من اعتراف كامل.
أخذونا كل واحدة في جهة.
بدأت زهراء تصرخ عندما حاولوا إدخالها إلى سيارة الإسعاف.
لا! معها!
انحنت مسعفة قصيرة الشعر قربها.
يجب أن نفحصكِ يا قلبي.
معها.
كنت أجلس على الرصيف، وبطانية فوق كتفي.
كان هناك ډم على مرفقي، وجانب من شعري مقتلَع.
تردد الشرطي.
أما المسعفة فلم تتردد.
دعوها تصعد.
صعدتُ.
ولم تترك زهراء يدي، لا عندما فحصوا معصميها، ولا عندما سلّطوا الضوء على عينيها، ولا عندما قاسوا ضغطها.
هل يؤلمكِ