دخلتُ لأسرق… فوجدت طفلة تخاف من العودة إلى “أمها”


شيء؟ سألتها المسعفة.
بطني عندما لا آكل.
أغلقت المرأة عينيها لثانية.
ثم أكملت عملها.
في المركز، أجلسوني على كرسي بلاستيكي.
وأخذوا زهراء مع أخصائية نفسية.
قبل أن تدخل، سألتني
ستذهبين؟
نظرتُ إلى الشرطي.
ثم إلى الباب.
ثم إلى حذائي المهترئ.
الهرب كان الشيء الوحيد الذي أتقنه.
هربتُ من الملاجئ، ومن الشرطة، ومن الرجال، ومن أي مكان يشبه القفص.
لكن تلك الطفلة قفزت من فوق السطح لأنها صدّقت صوتي.
لا قلت سأنتظرك هنا.
لا أعرف كم ساعة مرّت.
طلع الصباح.
وبدأت بغداد بأصواتها المعتادة الباصات، والأبواق، وباعة الشاي، وخطوات الناس المستعجلة.
وكان كل شيء في جسدي يؤلمني.
أخذ مني ضابط إفادة كاملة.
قلت الحقيقة.
كلها.
حتى السکين.
وحتى أنني دخلت لأسرق.
لم ينظر إليّ كقديسة ولا كمچرمة.
فقط كتب.
ثم جاءت امرأة أنيقة، شعرها مرفوع، وعيناها منتفختان من البكاء.
ومعها رجل كبير بالعمر، ومحامية.
وعندما قالوا اسمها فهمت.
أنا سعاد جاسم أم زهراء.
وقفتُ فورًا.
ولم أعرف ماذا أفعل بيدي.
نظرت إليّ المرأة وكأن وجهي باب.
أنتِ وجدتها؟
نعم.
ارتجف فمها.
عايشة؟
خرج السؤال مكسورًا لدرجة أن الضابط نفسه خفض عينيه.
نعم عايشة.
غطّت سعاد وجهها بيديها.
لم تبكِ بهدوء.
بكت كما يبكي شخص توقف أخيرًا عن التظاهر بالقوة.
أخذوها إلى زهراء.
أما أنا فبقيت خارج الغرفة.
لم أرد النظر.
لم يكن ذلك من حقي.
لكن الباب كان نصف مفتوح.
وسمعت
ماما
كلمة واحدة فقط.
ثم صوت ارتطام خفيف، كأن جسدين تعانقا بقوة.
وبعدها بكاء لا يشبه الحزن.
بل يشبه الماء وهو يعود إلى بيت محترق.
جلستُ على الأرض.
وغطيت وجهي.
أنا لم أبكِ منذ الخامسة عشرة.
لكنني بكيت ذلك الصباح بصمت، وبخجل، وپغضب، وبارتياح.
بكيت على زهراء.
وعليّ أنا أيضًا.
على الطفلة التي كنتها تحت الجسر، تنتظر أن يلاحظ أحد أنها مفقودة هي الأخرى حتى لو لم تكن صورتها معلقة على الجدران طلبت سعاد رؤيتي بعد قليل.
ظننتُ أنها ستسألني لماذا دخلت، أو ماذا سړقت، أو من أكون.
لكنها اقتربت مني وعانقتني.
تجمّدتُ في مكاني.
لم أكن أعرف كيف يستقبل الإنسان من دون أن ينتظر الضړبة بعده.
شكرًا همست.
لا تشكريني أنا دخلت لأسرق.
ابتعدت قليلًا ونظرت إليّ.
ومع هذا أنقذتِها.
هذا لا يمحو الباقي.
لا لكن الباقي أيضًا لا يمحو هذا.
بقيت الجملة داخلي.
سقطت أميرة في نفس الصباح.
والرجال أيضًا.
وجدوا داخل البيت أوراقًا مزورة، وصور أطفال آخرين، وأربطة، وملابس مستعملة، وهواتف كثيرة.
لم أسأل عن التفاصيل.
لم أرد لذاكرة زهراء أن تصبح أقذر داخل رأسي.
عرفت ما يكفي فقط
لم تكن أول طفلة.
لكن ربما، بسببها ستكون الأخيرة بالنسبة لبعضهم.
أطلقوا سراحي بعد يومين.
مع استدعاءات، وتحذيرات، وعاملة اجتماعية تراقبني كأنها ظلي.
دفعت سعاد لمحامٍ حتى لا يضيع ملفي قبل أن يبدأ.
قلت لها إنها ليست مضطرة لذلك.
فأجابت
وأنتِ أيضًا لم تكوني مضطرة لحمل ابنتي فوق ذلك السطح.
ولم أعرف كيف أجادلها.
مرت شهور.
زهراء لم تعد تلك الطفلة الموجودة في الصورة القديمة.
لا أحد يخرج كاملًا من أماكن كهذه.
لكنها بدأت تضحك.
قليلًا.
كأنها تفتح نافذة صغيرة لتتأكد إن كان الهواء لم يعد ېحرق.
كانت تستخدم عصًا بيضاء علّقت عليها بنفسها ورودًا صغيرة.
تعلّمت عدّ الخطوات من الصالة إلى المطبخ.
ست عشرة خطوة.
ومن سريرها إلى الحمام.
تسع.
ومن الباب حتى ذراعيّ عندما أزورها.
اثنتان وعشرون.
نعم كنت أزورها.
في البداية لأنهم احتاجوا شهادتي.
ثم لأنها كانت تسأل عني.
وبعدها لأنني
أنا أيضًا أصبحت أحتاج سماع صوتها حتى أصدق أن ليلة البيت لم تكن حلمًا.
وجدت لي سعاد عملًا في مخبز قريب من الكاظمية.
لا شيء كبير.
تنظيف الصواني، وكنس الطحين، وترتيب الخبز.
لكنه كان عملًا نظيفًا.
براتب.
وبوقت محدد.
وباسم حقيقي.
أول مرة قبضت راتبًا من دون أن أهرب بعدها، خبأت النقود داخل حذائي ومشيت في شوارع بغداد حتى تعبت قدماي.
مررت بالسوق.
كانت الروائح تختلط شاي، وخبز حار، وعطر رخيص، ودخان عربات الشواء.
رأيت عائلات، وطلابًا، ونساء يساومن على الأسعار.
المدينة نفسها.
المدينة التي تبتلعك إذا سقطت.
والتي قد تدفعك أحيانًا نحو المكان الذي يحتاجك فيه أحد.
في إحدى المرات، طلبت