دفنت زوجى


شيئًا أثقل بكثير.
شيئًا اسمه العاړ.
في السيارة، بدأ هاتفه يمتلئ برسائل العائلة.
وين أم خالد؟
صحيح باعت الفيلا؟
الناس تقول إنها سافرت لحالها!
حتى أخته هند أرسلت له بالله قلّي إن الكلام مو صحيح أمي مستحيل تسويها.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي وقت مضى.
أمه فعلتها فعلًا.
ولأول مرة في حياتها اختارت نفسها.
في تلك الليلة، عاد خالد إلى شقته متوترًا.
الكلاب تنبح.
الببغاء ېصرخ عجوز كسولة!
وفجأة صړخ خالد بأعلى صوته اسكت!
ساد الصمت.
حتى ريم صُدمت من طريقته.
جلس خالد على الكنبة وأخذ نفسًا طويلًا.
ثم قال بهدوء غريب تتذكرين آخر مرة سألنا أمي إذا كانت بخير؟
ريم عقدت ذراعيها لا تبدأ دراما زيادة هي أمك مو طفلة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال يمكن لأننا اعتبرناها أمًّا نسينا إنها إنسانة.
ولأول مرة منذ سنوات، شعر خالد بشيء لم يشعر به حتى يوم ۏفاة أبيه
الذنب.
في اليوم التالي انتشرت القصة بين الأقارب بسرعة.
البعض قال إن نورة جنّت آخر عمرها.
والبعض قال إنها أنانية.
لكن نساء كثيرات في العائلة كنّ يخفين ابتسامات صغيرة أثناء سماع الخبر.
خصوصًا خالته أم فيصل التي تمتمت وهي تصب القهوة والله إنها سوت اللي كلنا تمنيناه وما قدرنا عليه.
أما نورة
فكانت في مكان آخر تمامًا.
في صباح هادئ فوق سطح السفينة.
ترتدي قبعة قش كبيرة ونظارة شمسية، وتشرب قهوتها أمام البحر المفتوح.
لا طبخ.
لا صړاخ.
لا أحد يسألها أين وضع منشفة الحمام.
ولا أحد يطرق بابها ليترك عندها مسؤولياته ويرحل.
اقتربت منها امرأة فرنسية مسنّة وسألتها بالإنجليزية تسافرين وحدك؟
ابتسمت نورة لأول مرة من قلبها وقالت لا
ثم نظرت إلى البحر الواسع وأكملت هذه أول مرة أسافر فيها مع نفسي.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
رن هاتفها برسالة جديدة من خالد.
يمّه آسف.
ظلت تنظر إلى الكلمة طويلًا.
آسف.
الكلمة التي انتظرتها سنوات.
لكن الغريب
أنها لم تبكِ عندما قرأتها.
فقط أغلقت الهاتف بهدوء
ورفعت وجهها للشمس.
كأنها تتعلم الحياة من جديد مرّت ثلاثة أشهر.
ثلاثة أشهر كاملة لم ترد فيها نورة إلا على رسالة واحدة فقط من خالد
أنا بخير.
لا صور.
لا مكالمات.
لا تفاصيل.
وكأنها كانت تعيد بناء نفسها قطعة قطعة بعيدًا عن الجميع.
زارت خلالها مدنًا لم تكن تتخيل يومًا أنها ستراها.
مشت في شوارع برشلونة دون أن يركض أحد خلفها طالبًا شيئًا.
جلست في مقهى صغير في نابولي وأكلت البيتزا بيديها وهي تضحك وحدها.
وفي إسطنبول اشترت أقراطًا جديدة أكبر من أقراط اللؤلؤ القديمة التي كان أبو خالد يكرهها.
وفي كل مدينة، كانت تشتري شيئًا صغيرًا لنفسها فقط.
لا لأحد غيرها.
أما خالد
فكانت حياته تتفكك ببطء.
ليس بسبب المال.
بل بسبب الفراغ الذي تركته أمه.
اكتشف للمرة الأولى أن الثياب لا تُغسل وحدها.
وأن الثلاجة لا تمتلئ تلقائيًا.
وأن هناك فرقًا بين وجود شخص في البيت وبين أن يكون هذا الشخص هو الذي يحمل البيت كله فوق كتفيه.
حتى ريم بدأت تتوتر باستمرار.
الخادمة تركت العمل.
والكلاب أتلفت أثاثًا جديدًا.
والببغاء صار يكرر جملة جديدة تعلمها من ريم أثناء شجارها مع خالد
مو شغلنا نهتم فيها!
وفي إحدى الليالي، بعد شجار طويل، قالت ريم بعصبية من يوم سافرت أمك وأنت متغير!
رد خالد لأول مرة ببرود يمكن لأني بدأت أشوف أشياء كنت أتجاهلها.
ثم نظر حوله.
الفوضى.
الصړاخ.
الطلبات التي لا تنتهي.
وفجأة رأى أمه في كل زاوية.
كيف كانت تتحمل كل هذا وحدها؟
في صباح اليوم التالي، اتصلت هند بأخيها وقالت خالد لازم تعرف شيء.
سألها بتوتر خير؟
ترددت قليلًا قبل أن تقول أمي باعت أكثر من الفيلا.
سكت.
ثم همس وش تقصدين؟
قالت هند المزرعة القديمة بعد وحتى الاستراحة اللي باسم الوالد.
وقف خالد فجأة.
مستحيل!
لكن هند أكملت والأغرب إنها تبرعت بجزء كبير من الفلوس.
لمين؟
جاءه الرد كالصاعقة لدار أرامل ومركز علاج مجاني لكبار السن.
جلس خالد ببطء.
كأن الهواء اختفى من حوله.
أمه
التي كانوا