رجل الأعمال وعاملة النظافة


حد غريق لقى نفس. ندى كانت بتعرف إمتى يسكت، إمتى ينهار، وإمتى يحتاج يسمع الحقيقة حتى لو بتوجعه. وفي مرة، سألها
إنتِ ليه فاهمة الحزن كده؟
ندى سكتت طويل، وبعدين قالت
لأن كان عندي بنت.
ياسين رفع عينه بسرعة. لأول مرة يسمع حاجة شخصية عنها.
فين هي؟
ندى ابتسمت ابتسامة مکسورة وقالت
ماټت.
الكلمة نزلت بينهم تقيلة. وعرف وقتها إن الهدوء اللي جواها ماجاش من فراغ. هي كمان كانت ماشية بنصف قلب. حكتله إنها فقدت بنتها وهي عندها سنتين، وإن جوزها سابها بعدها لأنه ما استحملش الحزن. ومن يومها وهي تشتغل في أي حاجة تهرب بيها من البيت الفاضي. ولما شافت أطفاله أول مرة خاڤت عليهم من نفس الوحدة اللي أكلتها.
ياسين ماعرفش يرد. لكنه لأول مرة من شهور، حس إن حد شايف وجعه من غير ما ېخاف منه.
وفي ليلة مطر، الأطفال كانوا نايمين أخيرًا، وياسين واقف في البلكونة يبص للسما. ندى كانت ماشية عشان تروح، لكنه ناداها
ندى.
لفتله.
قال بصوت هادي متعب
إنتِ أنقذتنا.
هزت راسها بالنفي وابتسمت.
لأ إنتوا بس بطلتوا تهربوا من الحزن.
ونزلت السلم ببطء، بينما ياسين واقف يبص للقصر حواليه. نفس الرخام. نفس النجف. نفس الحيطان. لكن لأول مرة من ٩١ يوم البيت ماكانش بيعيط. كان بيتنفس.
بعد الليلة دي، ياسين افتكر إن أصعب مرحلة عدّت لكنه ماكانش يعرف إن الحزن الحقيقي ساعات ما بيبدأش غير بعد ما الواحد يفوق من الصدمة. لأن أول ٣ شهور بعد مۏت ريم كانوا مجرد نجاة. جسمه بيتحرك، يوقّع ورق، يرد على مكالمات، يشرب قهوة، يدخل اجتماعات لكن عقله كان واقف عند باب أوضة العمليات، عند اللحظة اللي الدكتور فيها بصله بعين مکسورة وقال
البقاء لله.
أما دلوقتي دلوقتي بدأ يستوعب فعلًا إنها مش راجعة. وإن الأطفال هيكبروا وهي مش موجودة. وإن سارة عمرها ما هتعرف ريحة أمها، وإن آدم مش هيفتكر صوتها أصلًا. الفكرة دي كانت بتقتله ببطء.
لكن رغم كده، القصر بقى مختلف. الصبح بقى له صوت. صوت رضاعة أطفال، ضحك خفيف، خطوات المربيات وهي بتجري ورا مالك لما بدأ يحبي بسرعة غريبة، وصوت ندى وهي بتزعق بحنان
يا خرابيتك هتقع يا ولد!
حتى الخدم بقوا يتنفسوا براحة. قبل كده، كل اللي في البيت كانوا ماشيين على أطراف صوابعهم كأنهم في عزاء مفتوح. أما دلوقتي، بقى فيه حياة.
وفي يوم، الحاجة سنية الطباخة القديمة وقفت قدام ندى وهي بتقطع خضار في المطبخ وقالتلها
والله يا بنتي الست ريم لو كانت عايشة كانت حبتك.
ندى سكتت لحظة، ووشها اتغير كأن الجملة وجعتها، لكنها ابتسمت وقالت
ربنا يرحمها.
الحاجة سنية قربت منها وهمست
إنتِ رجّعتي الروح للبيت.
ندى ما ردتش. لأنها من جواها كانت مړعوپة. مړعوپة تتعلق بالأطفال أكتر من اللازم. مړعوپة تحس إنها بقت جزء من البيت وبعدين يتسحب منها فجأة. هي أصلًا اتعلمت إن أي