رواية كامله


وجدوه ناقصًا.
ثم ظهر فجأة كاملًا أكثر من اللازم.
تواقيع دقيقة.
أوقات مرتبة.
وشهادة طبية باسم طبيب قيل لهم إنه غادر العراق منذ سنوات.
رفعت موظفة التحقيق نظرها.
سنطلب نسخة رسمية، ونراجع دائرة الأحوال المدنية والسجلات.
أومأت برأسي.
لكن عقلي كان في مكان آخر.
أريد أن أرى نور.
خرجت الأخصائية بعد دقائق.
البنت مرهقة لكنها قالت شيئًا مهمًا.
شعرت أن ساقيّ ستخذلانني.
ماذا قالت؟
قالت إن في بيت أم كريم غرفة مغلقة. هناك صور وأوراق وصندوق فيه ملابس أطفال. وقالت إنها سمعت أم كريم تقول إن الأوراق لم تعد تكفي ولذلك يجب أن ينقلوها.
ينقلوها إلى أين؟
خفضت الأخصائية نظرها.
إلى أربيل، عند معارف لهم.
وضعت يدي على فمي.
لو لم تتصل بي أمل
لو لم تشك تلك المديرة ذات الصوت الثابت
لو لم تقل نور اسمي
لكانوا انتزعوها مني مرة ثانية.
تلك الليلة لم أعد إلى بيتي.
ولا نور عادت.
نقلونا إلى مكان آمن حتى تصدر إجراءات الحماية. شرحوا لي أن هناك مقابلات، وتقارير، وفحوصات DNA، ومراجعة أوراق، وتحقيقًا في خطڤ قاصر، وتزوير وثائق، وكل ما سيظهر لاحقًا.
الكلمات القانونية كانت طويلة.
أما ۏجعي فكان بسيطًا.
لقد سرقوا ابنتي.
نامت نور على سرير صغير، وهي تحتضن حقيبة مستعارة.
وقبل أن تغمض عينيها، سألتني
هل كان عندكِ فعلًا فستان أصفر؟
انقطع الهواء من صدري.
نعم.
أم كريم كانت تحتفظ به في صندوق. كانت تقول إنه يذكّر الله بما فقدتِه.
جلست بجانبها.
أنا دفنتكِ بذلك الفستان.
هزت رأسها.
لا. الفستان كان نظيفًا. رأيته مرات كثيرة.
بقيت جامدة.
حينها فهمت.
النعش كان فارغًا.
أو كان فيه شيء آخر.
لكن ابنتي لم تكن
هناك.
بكيت بصمت حتى طلع الصباح.
في اليوم التالي، فتشت الجهات المختصة بيت أم كريم في حي اليرموك.
لم يسمحوا لي بالذهاب، لكن موظفة التحقيق أخبرتني لاحقًا.
وجدوا الغرفة المغلقة.
وجدوا صورًا لنور منذ طفولتها، ملتقطة في أوقات مختلفة.
وجدوا أدوية.
دفاتر.
نسخًا من أوراق رسمية.
وإيصالات دفع للمستشفى.
ورسائل كتبتها أم كريم بخط يدها.
كانت هناك جملة تتكرر في أكثر من ورقة
ليلى لا تستحق أن تربيها.
عندما سمعت ذلك، شعرت بكره صافٍ أخافني من نفسي.
تم العثور على أم كريم في نفس اليوم قرب الكرادة.
كانت داخل سيارة أجرة، ومعها حقيبة ووثائق تخص نور.
أوقفوها بلا ضجيج، كأن امرأة أنيقة بنظارة سوداء لا يمكن أن تحمل تسع سنوات من الچريمة داخل حقيبة جلدية.
طلبت أن تراني.
وافقت.
لا أعرف لماذا.
ربما لأنني انتظرت تسع سنوات تفسيرًا واحدًا.
وربما لأن جزءًا مني كان ما زال تلك الأم الراكعة أمام قبر.
رأيتها في غرفة باردة.
كانت أم كريم كما هي.
مرتبة.
شعرها الأبيض مرفوع بعناية.
أقراط لؤلؤ في أذنيها.
يدان هادئتان.
حتى الخۏف لم يكن ظاهرًا عليها.
ليلى قالت أصبحتِ أنحف.
كدت أضحك.
أين كانت ابنتي؟
في أمان.
أين؟
معي. كما كان يجب أن تكون منذ البداية.
وقفت من مكاني، لكن الموظفة طلبت مني الهدوء.
تنهدت أم كريم.
أنتِ كنتِ ضعيفة. تبكين على كل شيء. سارة كانت تحتاج نظامًا، علاجًا، انضباطًا. وكريم كان موافقًا.
اخترقني الاسم مرة أخرى.
هو كان يعرف؟
نظرت إليّ بشفقة سامة.
هو من قرر.
اختفى الصوت من العالم.
لا همست.
سارة لم تمت. تعرضت لأزمة، نعم. لكنها تحسنت. الطبيب قال إن بإمكاننا نقلها. كريم قال إن عادت إليكِ، ستجعلينها مريضة مثلكِ. أنا فعلت فقط ما تفعله جدة مسؤولة.
أخذتِها من أمها.
أنقذت حياتها.
هناك فهمت أنها لن ټندم أبدًا.
الناس مثل أم كريم لا يرون أنفسهم قساة.
يرون أنفسهم مختارين.
أبقيتِها حبيسة تسع سنوات.
حميتها.
غيرتِ اسمها.
أعطيتها اسمًا أهدأ.
دفنتِني حيّة داخل نعش فارغ.
لأول مرة، خفضت عينيها.
ليس بسبب الذنب.
بل بسبب الضيق.
أنتِ دائمًا تبالغين.
اقتربت من الطاولة.
لا. المبالغة أن تزوّروا مۏت طفلة حتى تسرقوها. أما أنا فكنت أمًا مفجوعة. والآن سأكون أمًا تطالب بحقها.
شدّت أم كريم شفتيها.
كريم لن يسقط. عنده محامون.
وعنده ابنة تكلمت.
هذه الجملة أصابتها فعلًا.
خرجت من الغرفة وساقاي ترتجفان.
في الخارج كانت نور تنتظرني.
لم يكن