رواية كامله


من المفترض أن تكون هناك، لكن الأخصائية كانت معها.
عندما رأتني، وقفت بسرعة.
هل أنتِ غاضبة مني؟
بقيت نور جامدة في البداية.
ثم أحاطتني بذراعيها ببطء.
شعرت ببكائها على عنقي.
آسفة لأنني لا أتذكر كل شيء همست.
لا يا حبيبتي. لا. أنتِ لم يكن عليكِ أن تتذكري. أنا كان عليّ أن أجدكِ.
لكنني جئت متأخرة.
ضممتها أكثر.
جئتِ حيّة.
استغرقت فحوصات ال أيامًا.
كانت أطول أيام حياتي.
خلالها، تعلمت أنا ونور أن ننظر إلى بعضنا دون أن ننكسر.
كانت تحب الشوكولاتة الساخنة، لكن دون سكر كثير.
تنام والضوء مفتوح.
تخاف عندما يطرق أحد الباب بقوة.
تقرأ جيدًا، لكنها تخجل من الكتابة، لأن أم كريم كانت تصحح دفاترها بقلم أحمر حتى تبكي.
كنت أحكي لها عن طفولتها.
عن كيف كانت ترقص في صالة البيت عندما تسمع أغنية.
عن حبها للمثلجات.
عن دميتها القماشية.
عن ضحكتها عندما كانت تختبئ خلف الستارة وتظن أنني لا أراها.
كانت نور تبتسم قليلًا.
كمن يجرب كلمة نسيها منذ زمن.
ودميتي القماشية؟
دفنتها معكِ.
صمتت.
إذن ماټ أحد فعلًا.
لم أعرف ماذا أقول.
لأنها كانت محقة.
ماټت سارة التي كان يمكن أن تكبر معي.
ماټت الأم التي كنتها قبل تلك الفجرية.
ماټت أعياد ميلاد.
وأسنان صغيرة تسقط.
وحفلات مدرسة.
وحمّى ليلية.
وعناق.
لكن نور كانت هناك.
وهذا أيضًا كان معجزة.
وصلت نتيجة الفحص يوم جمعة.
اتصلت بي موظفة التحقيق صباحًا وطلبت مني الحضور.
كان المبنى رماديًا.
الكراسي باردة.
الملفات كثيرة.
كل شيء كان لا يُحتمل.
أمسكت نور بيدي.
وإذا لم أكن هي؟
نظرت إليها.
عيناها.
شامتها.
خۏفها.
أملها.
حتى لو لم تكوني لن أترككِ وحدكِ.
فتحت الموظفة الملف.
لم تصنع مشهدًا.
قالت فقط
النتيجة تؤكد وجود أمومة بيولوجية.
أطلقت نور نفسًا طويلًا.
أما أنا فلم أتنفس.
بقيت ساكنة.
لأن الفرح أحيانًا يشل الإنسان مثل الحزن.
ثم انحنيت فوق الطاولة وبكيت كما لم أبكِ حتى عند القپر.
بكيت على ابنتي المېتة التي لم تمت.
بكيت على ابنتي الحية التي لم تستطع العودة.
بكيت على كل مرة قال لي فيها كريم إنني مچنونة، وهو يعرف تمامًا أين كانت سارة.
أمي قالت.
وهذه المرة انكسرت بالكامل.
تم توقيف كريم بعد أسبوعين.
وجدوه في بيت أحد معارفه، وكان يحاول مغادرة بغداد.
قال في إفادته إن كل ما فعله كان لمصلحة الطفلة.
قال إنني كنت أعاني من اكتئاب.
وإن أمه كانت تساعد فقط.
وإن المستشفى ارتكب أخطاء إدارية.
لكن كانت هناك تحويلات مالية.
اتصالات.
تسجيلات قديمة.
ورسالة موقعة منه تسمح بنقل سارة في نفس الفجر الذي قالوا لي إنها ماټت فيه.
لم أقترب منه.
لم أرد أن أمنحه وجهي ليقول لي مجددًا إنني مچنونة.
رأيته فقط يمر في الممر، مقيدًا، بملابس مرتبة لكنها فقدت هيبتها، وبنظرة فارغة.
عندما رآني، حاول أن يتكلم.
ليلى
ابتعدت خطوة.
كانت نور خلفي.
نظر إليها.
سارة ابنتي
تراجعت خطوة.
اسمي سارة لأن أمي سمّتني هكذا قالت وليس لأن لك حقًا أن تنطق به.
خفض كريم رأسه.
كانت تلك أقرب هزيمة رأيتها عليه.
الحياة بعد ذلك لم تكن سهلة.
الناس يظنون أن عودة المفقود تجعل كل شيء يعود كما كان، مثل نهاية فيلم.
هذا غير صحيح.
الابنة لا تعود من تسع سنوات من العزلة وهي تعرف كيف تكون ابنة.
والأم لا تستعيد الزمن بمجرد أن تفتح ذراعيها.
كانت سارة ترى كوابيس.
وأنا أيضًا.
أحيانًا تناديني ليلى دون قصد.
وأحيانًا أنظر إليها وهي نائمة، فأرى الطفلة ذات الخمس
سنوات داخل المراهقة.
وأحيانًا نحتضن بعضنا ونبكي دون أن نعرف هل هو فرح أم حزن.
ذهبنا إلى العلاج النفسي.
ذهبنا إلى دائرة الأحوال لنراجع الأوراق والملفات والأكاذيب المختومة.
وذهبنا إلى المقپرة.
في ذلك اليوم، حملت سارة ورودًا صفراء.
وقفنا أمام القپر الذي يحمل اسمها.
قرأت الاسم ببطء.
هنا مكتوب أنني متّ.
نعم.
وماذا نفعل الآن؟
أخرجت من حقيبتي صورة قديمة.
سارة بعمر خمس سنوات، بفستانها الأصفر، تضحك وعيناها مغمضتان.
نقول لها شكرًا لأنها انتظرتنا.
وضعت سارة الورود على القپر.
آسفة لأنني لم أكن هنا همست.
.
لا يا حبيبتي. أنا آسفة لأنكِ اضطررتِ للعودة من مكان لم يكن