طلعوا يحمون ابنهم قدام الناس… وما كانوا يعرفون إن الليلة كلها كانت متسجلة عليهم


دائمًا اختفوا فجأة.
وأبي
أول مرة رأيته يبدو عجوزًا فعلًا.
خلال أسبوع واحد فقط، شعره ازداد شيبًا، وصوته صار أضعف، ونظرته التي كانت دائمًا مليئة بالغرور تحولت إلى خوف صامت.
حاول يساومني.
اتصل بي بعد أسبوع.
صوته كان منخفضًا بشكل غريب، كأنه يتحدث مع شخص لا يعرفه.
قال
نقسم كل شيء بينك وبين أخوك بس سكر الموضوع.
لم أجاوبه فورًا.
كنت واقف وقتها في مطبخ الشقة الجديدة، وسارة تعد الشاي بهدوء كأنها تحاول تعلّم الحياة من جديد.
نظرت إليها للحظة.
ثم قلت
وحق مرتي بكم تريدني أبيعه؟
سكت.
سمعت فقط صوته وهو يتنفس.
ثم حاول يتكلم
كريم اسمعني
لكنني أغلقت الخط بوجهه.
ومنذ ذلك اليوم
لم يحاول الاتصال بي مرة أخرى.
بعد أشهر
أنا وسارة انتقلنا إلى شقة جديدة بعيدة عن كل شيء يخصهم.
بعيدة عن الفيلا.
وعن الحفلات.
وعن الصور المعلقة على الجدران.
وعن ذلك الممر الذي تغيّر فيه كل شيء خلال عشر دقائق فقط.
الشقة لم تكن كبيرة.
ولا فخمة مثل البيت الذي خرجت منه.
لكن لأول مرة منذ سنوات
كنت أشعر أنني أتنفس دون ثقل فوق صدري.
في أول ليلة هناك، كانت سارة واقفة في الشرفة تنظر إلى سماء بغداد.
المدينة كانت هادئة بشكل غريب تلك الليلة.
الهواء البارد يحرك شعرها قليلًا، والضوء البرتقالي القادم من الشارع ينعكس على وجهها المتعب.
اقتربت منها ببطء.
وقفت بجانبها.
ثم سألتها
ندمانة إنچ
ډخلتي حياتي؟
التفتت نحوي.
وكان واضحًا أن التعب ما زال يسكن عينيها.
لكن رغم ذلك
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة ومتعبة لكنها حقيقية.
وقالت بهدوء
لو يرجع الزمن أختارك إنت مرة ثانية.
شعرت بشيء ينكسر داخلي وقتها.
شيء ظل سنوات طويلة متماسكًا بالقوة فقط.
حضنتها.
وضمّتها كأنني أحاول أن أصدق أخيرًا أننا خرجنا من هناك فعلًا.
ولأول مرة
ولأول مرة
فهمت أن البيت ليس المكان الذي تربيت فيه.
البيت ليس الجدران الكبيرة.
ولا الثريات المعلقة فوق الرؤوس.
ولا الحراس الواقفين عند البوابات.
ولا اسم العائلة الذي كانوا يرددونه كأنه أهم من البشر أنفسهم.
البيت ليس النفوذ.
ولا العلاقات.
ولا الولائم التي تمتلئ بالضحك الكاذب.
البيت هو الشخص الذي رأى أسوأ نسخة مکسورة منك وبقي واقفًا معك رغم ذلك.
الشخص الذي لم يهرب عندما سقطت صورتك أمام نفسك.
الشخص الذي ظل يمسك يدك حتى وأنت عاجز عن الكلام.
بقيت أنا وسارة واقفين في الشرفة دقائق طويلة دون أي كلمة.
فقط صوت السيارات البعيدة القادمة من الشارع.
وصوت مولدة كهرباء بعيدة تقطع هدوء الليل كل عدة ثوانٍ.
وأنفاسنا الهادئة التي كانت تخرج ببطء كأننا نحاول أن نتأكد أن كل شيء انتهى فعلًا.
الهواء كان باردًا قليلًا.
وشعر سارة يتحرك مع النسيم الخفيف.
كانت تضع يديها على سور الشرفة وتنظر إلى أضواء بغداد الممتدة أمامها.
مدينة كاملة تتحرك وتعيش وتزدحم
بينما نحن كنا نحاول فقط أن نتعلم كيف نعيش من جديد.
اقتربت منها أكثر.
حتى أصبحت كتفي تلامس كتفها.
ولم تبتعد.
وهذا وحده كان يكفي حتى أشعر بشيء دافئ يعود إلى صدري بعد شهور طويلة من الخۏف والڠضب.
نظرت إلى يديها.
كانت أصابعها ما تزال تحمل آثار التوتر.
حتى بعد مرور كل تلك الأسابيع.
حتى بعد انتقالنا.
حتى بعد سقوطهم.
بعض الأشياء لا تختفي بسرعة.
بعض الخۏف يبقى ساكنًا داخل الجسد حتى بعد انتهاء الکابوس.
مددت يدي بهدوء.
وأمسكت يدها.
التفتت نحوي ببطء.
وعيناها كانتا متعبتين لكنهما لم تعودا مكسورتين مثل تلك الليلة.
وهذا وحده كان معجزة بالنسبة لي.
قلت بصوت منخفض
تعرفين شنو أكثر شيء يوجع؟
نظرت إليّ بصمت.
ابتسمت ابتسامة خفيفة ومتعبة.
ثم قلت
إني طول عمري كنت أحاول أرضيهم وأدافع عنهم وأقنع نفسي إنهم أهلي مهما سووا.
سكت قليلًا.
وأكملت وأنا أنظر إلى أضواء الشارع البعيدة
لكن بأول لحظة احتجت بيها إنسانيتهم وقفوا ضدي.
سارة لم تتكلم فورًا.
اقتربت أكثر فقط.
ثم أسندت رأسها على كتفي بهدوء.