رجع من أمريكا بعد 3 سنين… وبدل ما يحتضن زوجته حاسبها حتى على حفاضات أمه وصفعها قدام الكل


أربعة آلاف. حفاضات سبعة وعشرين ألف. دفتر مدرسة خمسة آلاف.
رفعت عيني نحوه.
كتبت كل شي، صح؟ كتبت حتى الصابون بس كتبت الليالي اللي ما نمت بيها؟ كتبت ظهري لما تعب وأنا أرفع أمك؟ كتبت أعياد ميلاد بنتك اللي ما اتصلت بيها حتى؟
ساد الصمت.
هناء كانت واقفة قرب الحائط وعيناها بالأرض.
نظرت إليها مباشرة.
إنتِ هم ضحكتي لما رمى عليّ الميدالية.
لم ترد.
في الأسفل كانت أم علي تنتظرنا مع مريم.
ركضت ابنتي نحوي أول ما رأت الحقيبة.
خلص؟
نظرت إليها.
إي خلص.
لم يكن كل شيء انتهى فعلًا.
لكن تلك كانت أول مرة أشعر أنني خرجت من القپر.
ذهبنا إلى بيت أمي في مدينة الصدر.
بيت صغير.
جدرانه قديمة.
وسطحه مليء بأصص النعناع والريحان.
أمي لم تسأل كثيرًا.
نظرت فقط إلى آثار الضړب على وجهي.
ثم احتضنت مريم أولًا.
وبعدها احتضنتني أنا.
وهمست
تأخرتِ هواي يا بنتي.
وهناك
بكيت لأول مرة.
بكيت وكأن ثلاث سنوات كاملة خرجت دفعة واحدة.
الخۏف.
الإهانة.
التعب.
رائحة الأدوية.
صوت الصڤعات.
كل شيء خرج مع الدموع.
وأمي بقيت تضمّني دون أن تقول قلت لج.
وهذا وحده كان رحمة.
الأيام التالية كانت مليئة بالمعاملات والدوائر.
شكوى.
تقارير طبية.
جلسات لمريم.
طلبات حماية.
نسخ من الأوراق.
وختم وراء ختم.
كنت أحمل ملفًا كبيرًا وأتنقل بين المكاتب وكأنني أتعلم المشي من جديد.
سامر بدأ يتصل بأمي.
ثم بأقاربي.
ثم بمدرسة مريم.
كان يقول إنني مچنونة.
وإنني سړقت أمواله.
وإنني تركت أمه المړيضة وحدها.
لكن التسجيل كان موجودًا.
والصور موجودة.
والدفتر الأسود موجودًا.
والأهم
آثار الصڤعات كانت موثقة في التقرير الطبي.
بعد أسبوع فقط بدأت الحقيقة تنقلب عليه.
هناء اضطرت أن تهتم بأمها بنفسها.
لم تتحمل أكثر من يومين.
بعدها أحضروا امرأة تساعدها مقابل أجر.
وعندما عرفوا المبلغ، بدأت المشاكل داخل البيت.
سامر صار يشتكي أن لا أحد يساعده.
وحماتي بدأت تطلب منه كل شيء بنفسها
الدواء.
الحفاضات.
الأكل الخاص.
المرهم.
والجلوس معها ليلًا.
خلال أيام قليلة فقط
بدأ الملك يتعب.
وصلتني منه رسالة
ارجعي أمي تسأل عليج.
نظرت إلى الرسالة طويلًا.
ثم كتبت
وأنا هم كنت أسأل عليك ثلاث سنين.
بعدها حظرته.
وجدت عملًا في مطبخ صغير قريب من الكرادة.
في البداية كنت أغسل الصحون فقط.
ثم بدأت أساعد بالطبخ.
وبعد فترة أصبحت المسؤولة عن الحلويات لأن الزبائن أحبوا طريقتي.
مريم بدأت تضحك من جديد.
ليس بسرعة.
ببطء شديد.
لكنها عادت.
وفي يوم طلبت مني ساندويتش فلافل إضافي وضحكت لأن الطحينة لطخت أنفها.
وقتها فقط شعرت أننا نجونا فعلًا.
بعد شهر تقريبًا
ظهر سامر أمام المطعم.
كان يحمل باقة ورد ذاب نصفها.
ووجهه بدا متعبًا ونحيفًا.
لازم نحچي يا زهراء.
صاحبة المطعم، أم مصطفى، نظرت نحوه من الداخل وقالت
إذا تريد أطلعله بالشوبك بس احچي.
كدت أضحك لأول مرة منذ زمن.
خرجت، لكن بقيت قرب الباب.
لا تقترب أكثر.
خفض صوته.
أمي تعبانة.
جيب ممرضة.
ما عندي فلوس.
اشتغل.
شد فكه بعصبية.
لا تكونين قاسېة هاي أمي.
نظرت إليه مباشرة.
بالضبط. أمك إنتَ مو عقوبتي.
ثم أخرج من جيبه ميدالية المفاتيح البلاستيكية.
نفس الهدية الرخيصة.
كنت غلطان.
نظرت إلى القطعة الصغيرة بيده.
في السابق كانت ستكسرني.
الآن بدت سخيفة فقط.
لا يا سامر الغلط أنك تكسر كوب. أما إنتَ فكسرت بيت كامل وحاولت تحاسبني على الحطام.
امتلأت عيناه بالڠضب فجأة.
رنا تركتني.
وهنا فهمت كل شيء.
ليس ندمًا.
ولا حبًا.
ولا اشتياقًا لابنته.
السكرتيرة تركته فعاد يبحث عن المرأة التي تنظف وتتحمل وتسكت.
مؤسف قلت بهدوء.
هذا كل اللي عندج؟
لا أكو شي ثاني. راح أطلب نفقة رسمية لمريم.
ضحك بسخرية.
ما عندي.
خلي المحكمة تقرر.
اختفى جزء كبير من غروره فور سماعه كلمة
محكمة.
زهراء أرجوج.
لا ترجوني أنا. تعلم أول شي شلون تكون أب.
استدرت ودخلت المطعم.
رفعت أم مصطفى الشوبك بيدها وهي تبتسم
يعني ما أستخدمه؟
لا الحياة سبقتج وضړبته قبلي.
مرت الشهور.
لم تكن سهلة.
كانت هناك أيام أحسب فيها النقود قبل شراء الخبز.
وأيام تمرض فيها مريم فأضطر لترك العمل باكرًا.
وأيام يؤلمني فيها ظهري لدرجة أنني أنام على الأرض حتى أستطيع الوقوف.
لكن رغم كل ذلك
لم يعد هناك أحد يصفعني.
ولا أحد يحاسبني على الصابون.
سامر اضطر لبيع سيارته.
وهناء
اكتشفت أن الحقيبة الماركة كانت تقليدًا رخيصًا.
أما حماتي، فسمعت من أم علي أن أكثر من امرأة تركت العمل عندها خلال أسابيع قليلة.
لم أشعر بالشماتة.
فقط فهمت شيئًا مهمًا
أحيانًا العدالة ليست سجنًا ولا انتقامًا.
أحيانًا العدالة أن يضطر كل شخص لحمل الحمل الذي رماه على غيره.
وفي يوم، كنت أمشي مع مريم قرب شارع المتنبي بعد انتهاء إحدى المراجعات.
اشترت قطعة حلوى صغيرة، ثم توقفت أمام محل أوانٍ ونظرت إلى صحن أزرق مزخرف.
من يصير عدنا بيت خاص بينا نشتري واحد مثل هذا؟
أمسكت يدها وابتسمت.
إي بيت محد يذلنا بيه.
وفي تلك الليلة، فتحت الدرج الصغير قرب سريري وأخرجت ميدالية المفاتيح البلاستيكية.
كنت قد احتفظت بها طوال الوقت.
لا أعرف لماذا.
رأتها مريم وسألت
هاي الهدية البايخة مال بابا؟
ضحكت بخفة.
إي.
ليش ما ترمينها؟
فكرت قليلًا.
ثم علقتها قرب باب البيت الصغير.
لأنها تذكرني باليوم اللي عرفت بيه قيمتي الحقيقية.
عبست مريم وقالت
بس هي أصلًا مجانية.
نظرت إليها وابتسمت.
بالضبط وأنا مو مجانية.
هي لم تفهم تمامًا.
لكنها ستفهم يومًا ما.
سامر كان يظن أنني عالة لأنني كنت أعيش في بيته.
وحماتي كانت تظن أنني خادمة لأنني اعتنيت بها.
وعائلته كلها ظنت أن صمتي يعني أنني أستحق أقل من حقيبة أو عطر أو حتى دفتر حسابات رخيص.
لكنهم كانوا مخطئين.
أنا لم أخرج من ذلك البيت ومعي مال كثير.
خرجت فقط ومعي ابنتي، وأوراقي، وصوتي
وهذا كان كافيًا حتى أبدأ من جديد.