قصة قديمة حدث مع عامل النظافة


يوسف
تعرف يا عم عبد الرحمن؟ أمي كانت تمنعنا حتى من لمس الكيس قبل ما تدعي لك.
ابتسم رغم دموعي.
كانت تقول الرجل ده يمكن تعبان أكثر مننا فلازم ندعيله.
وضعت الصورة على صدري وأنا أحاول السيطرة على دموعي.
لكن يوسف لم يكن قد انتهى.
قال
في شيء ثاني لازم تعرفه.
رفعت رأسي نحوه.
قال
أمي كانت تشتغل بالليل.
استغربت.
تشتغل إيه؟
أخفض عينيه وقال
كانت تنظف بيوت الناس سرًا.
شعرت أن قلبي انقبض.
أكمل
كانت تخرج بعد ما ننام وتنظف السلالم والبيوت حتى الفجر، ثم ترجع قبل ما نصحى، وبعدها تروح على سلة القمامة.
وضعت يدي على وجهي.
لم أعد أحتمل كمية الألم التي حملتها تلك المرأة وحدها.
قال يوسف
ومع كل هذا ما كنا نسمعها تشتكي.
ثم ابتسم بحزن
كانت دايمًا تقول طول ما أولادي بخير أنا بخير.
سكت قليلًا.
ثم نظر إليّ مباشرة وقال
بس الحقيقة إنك أنت اللي كنت مخليها بخير.
في تلك اللحظة
شعرت بشيء يتحطم داخلي.
لأنني فجأة تخيلت تلك المرأة تسير وحدها آخر الليل.
تنظف بيوت الناس.
ثم تخفي تعبها.
ثم تأتي صباحًا تبحث داخل القمامة حتى لا يجوع أطفالها.
أي قوة كانت تملكها؟
وأي قسۏة في هذا العالم تجعل أمًا تفعل كل ذلك وحدها؟
مرت شهور بعد ذلك اللقاء
لكن صورة أم خالد لم تغادرني.
وفي يوم الجمعة
بعد الصلاة مباشرة، خرجت من المسجد فوجدت رجلًا يوزع طعامًا على الفقراء.
كان يضع الأكياس بهدوء داخل أيدي الناس دون تصوير أو ضجيج.
ابتسمت دون أن يشعر.
وفجأة فهمت شيئًا مهمًا جدًا.
الخير الحقيقي يشبه البذور.
قد تظن أنك وضعت شيئًا صغيرًا جدًا
لكن بعد سنوات تكتشف أنه صار شجرة كاملة.
وأم خالد
لم تكن الوحيدة التي تغيرت حياتها.
أنا أيضًا تغيرت.
قبلها كنت أظن أن الرحمة مجرد مساعدة.
لكن بعدها فهمت أن الرحمة الحقيقية هي أن تحفظ كرامة الإنسان وهو يتألم.
أن تساعده دون أن تجعله يشعر أنه أقل منك.
أن تعطيه وهو واقف لا وهو منكسر.
وفي إحدى الليالي الشتوية
كنت جالسًا وحدي عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
فتحت.
فوجدت شابًا لا أعرفه يحمل كيسًا أسود.
ابتسم وقال
حضرتك عم عبد الرحمن؟
قلت باستغراب
نعم.
مدّ الكيس نحوي وقال
أنا ما عرفتش أم خالد شخصيًا لكن الأستاذ خالد حكى قصتك للطلاب في المدرسة اللي يشتغل فيها.
نظرت داخل الكيس.
كان مليئًا بالطعام.
قال الشاب بابتسامة
فيه أرامل كثير بالحي وإحنا قررنا نخلي الكيس الأسود يوصل لهم كل أسبوع.
شعرت أن دموعي ستسقط من جديد.
لأنني أدركت أخيرًا
أن الكيس الأسود لم يعد مجرد كيس.
بل صار فكرة.
رحمة تنتقل من قلب إلى قلب.
ومن إنسان إلى آخر.
وفي تلك الليلة
رفعت رأسي إلى السماء مرة أخرى.
وابتسمت لأول مرة منذ ۏفاة أم خالد.
ثم قلت بهدوء
يبدو أنكِ لم ترحلي فعلًا يا أم خالد
أنتِ ما زلتِ هنا.
في كل كيس طعام يُترك بصمت.
وفي كل طفل ينام شبعان.
وفي كل إنسان قرر أن يستر فقيرًا بدل أن يصوره.
ثم أغمضت عيني
وشعرت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة
أن