قصة قديمة حدث مع عامل النظافة


العالم، رغم قسوته، ما زال فيه خير يكفي لينقذ قلوبًا كثيرة قبل أن تنكسر.
وفي صباح اليوم التالي
استيقظت قبل أذان الفجر كعادتي القديمة.
غسلت وجهي ببطء، ثم دخلت المطبخ.
كانت زوجتي قد استيقظت قبلي هذه المرة.
نظرت إليّ دون أن تسأل شيئًا.
كأنها فهمت من عينيّ أن الرحلة لم تنتهِ بعد.
وضعت أمامي كيسًا أسود جديدًا.
بداخله خبز دافئ.
وأرز.
وبعض الخضار.
وقليل من المال.
قالت بهدوء وهي ترتب الطعام
يمكن في أم ثانية مستنية رحمة ربنا توصلها اليوم.
نظرت إليها طويلًا.
ثم حملت الكيس وخرجت.
كانت الشوارع ما تزال شبه فارغة.
الهواء البارد يمر بين البيوت القديمة.
وصوت المآذن يملأ السماء بهدوء غريب.
مشيت ببطء بين الأزقة
وأنا أشعر أنني أرى المدينة لأول مرة.
كل باب مغلق خلفه حكاية.
وكل نافذة مطفأة قد تخفي إنسانًا يقاوم وحده بصمت.
توقفت عند أول سلة قمامة رأيتها.
نظرت إليها طويلًا.
ثم تذكرت أم خالد وهي تنظر حولها پخوف قبل أن تمد يدها.
وتذكرت أطفالها وهم يبتسمون لأول مرة حول كيس أسود صغير.
شعرت بغصة في صدري.
لكنني ابتسمت رغم ذلك.
ثم وضعت الكيس بهدوء ومشيت.
هذه المرة
لم أكن أبحث عن أم خالد.
كنت أبحث عن إنسان آخر يخفي ألمه بصمت
أمّ تخجل أن تطلب.
أبٍ يعود لبيته مكسورًا لأنه لا يملك ثمن الطعام.
طفل ينام وهو يتظاهر بالشبع حتى لا يُحزن أمه.
كنت أبحث عن أي قلب متعب
تمامًا كما كانت أم خالد تفعل كل صباح.
ومنذ ذلك اليوم
صرت كلما وضعت كيسًا أسود في مكان ما
أشعر أن روح أم خالد تمر بجانبي بهدوء
وتبتسم.
وعرفت وقتها
أن أحيانًا كيسًا أسود صغيرًا قد يغيّر حياة كاملة
دون أن يعرف أحد اسم صاحبه.