زوّجوها لرجل أصمّ مقابل دين قديم… لكن ما أخرجته من أذنه ليلة الزفاف كشف السر الذي أخفته القرية عشرين سنة

فتح حيدر عينيه وكأن العالم انشقّ أمامه للتو.
كانت العلامة المحفورة على قطعة النحاس واضحة الآن تحت ضوء المصباح جرس صغير، نفس الجرس الذي ظلّ يطارده في ذاكرته منذ كان طفلًا.
كانت زهراء ما تزال تمسك بذلك الشيء الأسود الملتف بين طرفي الملقط، وبجانبِه قطعة النحاس الصغيرة الملطخة بدم قديم.
لم تصرخ.
فهي تعلّمت منذ طفولتها أن نساء القرية لا يُسامَحن حتى على الخۏف.
لكنها شعرت أن شيئًا ملعونًا خرج الآن من رأس زوجها.
كان حيدر يتنفس پعنف.
وجهه غارق بالعرق، وفمه مفتوح، وعيناه معلقتان بقطعة النحاس.
ثم فعل شيئًا لم تتوقعه زهراء أبدًا.
بكى.
ليس بصوت مرتفع.
ولا كبكاء الرجال السكارى قرب المقهى.
بكى بصمت، وعيناه مفتوحتان، وكأن تلك القطعة أعادت إليه ذكرى ډفنها داخله منذ عشرين سنة.
وضعت زهراء الملقط داخل صحن فخاري.
حيدر هل تسمعني؟
رمش مرة.
ثم مرة أخرى.
ارتجفت يده ببطء واتجهت نحو أذنه.
زه
خرج الصوت خشنًا ومكسورًا من حنجرته.
تجمّدت زهراء في مكانها.
هي لم تسمع صوته من قبل.
لا تتعب نفسك.
شدّ أسنانه، وكأن الكلام يؤلمه أكثر من الچرح.
زهراء.
خرج اسمها متكسّرًا، لكنه حي.
غطّت فمها بكلتا يديها.
في الخارج، كانت الثلوج تواصل السقوط فوق أشجار الصنوبر الممتدة على سفوح الجبال، والبيت الخشبي يئن تحت الريح الباردة، والبغال داخل الحظيرة تتحرك بقلق.
العالم بقي باردًا كما هو
لكن شيئًا داخل ذلك المطبخ بدأ يشتعل.
أشار حيدر نحو الدفتر.
ناولته زهراء بسرعة.
كتب بخط مرتجف
الجرس.
أي جرس؟
أمسك قطعة النحاس، وحدّق فيها تحت ضوء المصباح، ثم تركها تسقط وكأنها تحرقه.
وعاد يكتب
كنيسة سوران. كنت بعمر ثمان سنوات.
شعرت زهراء بمعدتها تنقبض.
نفس الكنيسة التي ضحكوا فيها عليها يوم زفافها.
نفس المكان الذي تحولت فيه حياتها إلى سخرية.
من فعل بك هذا؟
أغلق حيدر عينيه.
ذهبت يده نحو أذنه، ثم صدره.
وكتب كلمة واحدة
أنس.
الحاج أنس الراوي.
صاحب الجمعية الزراعية.
الرجل الذي اشترى دين والدها.
الرجل الذي يجلس دائمًا في الصف الأول داخل الكنيسة القديمة أيام الأعياد.
ونفس الرجل الذي ضحك أعلى من الجميع عندما قال أحدهم إن زهراء أكبر من أن يحبها رجل.
شعرت زهراء أن البيت أصبح أبرد فجأة.
بدأت تنظف الډم عن أذن حيدر بقطعة قماش مبللة.
خرج صديد كثيف من الچرح، ثم خيط داكن رفيع.
كانت الرائحة قاسېة، لكنها لم تبتعد.
كان حيدر يرتجف.
ليس من الألم فقط.
بل من الذكريات.
في تلك الليلة لم يناما.
حضّرت له زهراء شاي الأعشاب الذي كانت أمها تستعمله للحمّى، ووضعت الكمادات الساخنة فوق أذنه، وجلست تستمع لكل كلمة متقطعة استطاع إخراجها، بين أصوات مکسورة وعبارات يكتبها في الدفتر.
حيدر لم يولد أصمًّا.
في طفولته كان يسمع كل شيء.
كان يركض بين الأشجار، ويصفّر للبغال، ويغني مع والده أغاني قديمة وهما ينزلان إلى سوق القرية لبيع الجبن والقمح والعسل.
والده، جاسم الجبوري، كان يملك أرضًا جيدة.
ليست أرض أثرياء.
بل أرضًا حقيقية.
ينابيع ماء لا تجف.
أشجار جوز وصنوبر.
وطريق قديم يمر بين الجبال، كانت تمر منه شاحنات خشب وصفقات لا يتحدث عنها أحد بصوت مرتفع.
الحاج أنس أراد تلك الأرض.
لكن جاسم رفض البيع.
وفي إحدى الليالي، سمع حيدر والده يتشاجر خلف الكنيسة مع الحاج أنس، والطبيب فؤاد، ورجل من البلدية.
وقّع أو تخسر ابنك قال أنس.
لكن جاسم لم يوقّع.
وبعد يومين، وجدوه ميتًا أسفل منحدر جبلي.
قالوا إنه سقط بسبب السكر.
وجاسم لم يكن يشرب أصلًا.
حيدر، الطفل ذو الثماني سنوات، صړخ في العزاء أنه سمع كل شيء.
قال إن أنس هدّد والده.
وأن الطبيب كان هناك.
وفي ذلك الشتاء نفسه، ماټت والدته بالحمّى.
ثم أخذوا حيدر إلى عيادة الطبيب فؤاد.
وبعد أسابيع، قالوا لأهل القرية
الطفل فقد سمعه بسبب التهاب شديد مسكين.
لكن الحقيقة لم تكن التهابًا.
أمسكوه بالقوة.
خدّروه.
وأدخلوا شيئًا داخل أذنه.
قطعة نحاس صغيرة ذات طرف حاد، محفور عليها رمز كنيسة