بعد جنازة زوجها اكتشفت أن تذكرة إسطنبول كانت أخطر من كل الملايين التي أخذها أولادها!

ليش؟ سألتُه.
أغلق موسى الجبوري عينيه للحظة قصيرة.
لأن أولادكِ ما ورثوا جائزة يا ست تهاني ورثوا اختبارًا.
لم أفهم.
المبنى الزجاجي كان فيه مكتب خاص في الطابق السادس. من الشباك كانت إسطنبول تبدو مبللة بالمطر، أضواءها ناعسة فوق الطرق، والبوسفور في البعيد كأنه خط رمادي طويل يفصل بين عالمين.
عرض عليّ موسى قهوة.
لم تكن قهوة ماكينة.
صبّها ببطء في فنجان صغير، قهوة تركية ثقيلة، داكنة، ورائحتها ملأت الغرفة بسرعة.
ذلك العطر أعادني فورًا إلى ليالي فاضل الأخيرة عندما كنت أغلي القهوة في مطبخنا الصغير ببغداد حتى أبقى مستيقظة وأنا أراقب تنفسه المتعب.
أستاذ فاضل قال لي إنكِ لا تشربين القهوة بلا سكر قال موسى.
انقبض حلقي.
فاضل كان يتذكر الأشياء الصغيرة.
ولهذا ترك لكِ واحدة منها.
أشار إلى ظرف التذكرة.
هذه كانت المفتاح.
فتح الملف.
في داخله كانت هناك نسخ موثقة، أوراق قديمة، صور، كشوفات بنكية، عقود أملاك، ووثائق شركة ورسالة مغلقة باسمي، بخط فاضل نفسه.
لم ألمسها.
خفت أن أفتحها فېموت داخلي مرة ثانية.
حيدر السامرائي كان أخ فاضل قال موسى أخ غير شقيق، لكنهما كبرا كأنهما توأمان. والدهم كانت لديه عائلتان. واحدة في بغداد وواحدة هنا.
نظرت إلى الصورة.
شابان يقفان أمام بيت قديم قريب من البوسفور، والمطر خلفهما خفيف، وملامحهما متشابهة بشكل يؤلم.
فاضل لم يخبرني أبدًا.
لأنه كان يخجل من السر، لا من أخيه. عندما ماټ والدهم، حاولت العائلة في بغداد أن تمحو وجود حيدر تمامًا. فاضل كان الوحيد الذي بحث عنه.
دفع موسى ورقة نحوي.
حيدر لم يتزوج ولم ينجب. بنى هنا شركة استيراد وتصدير، اشترى عقارات، وامتلك بيتًا قديمًا في أوسكودار. وعندما مرض، ترك كل شيء لفاضل بشرط واحد ألا يصل شيء إلى أيدٍ تعامل العائلة كغنيمة.
شعرت بالبرد.
أولادي.
لم يرد موسى.
لم يكن بحاجة.
رند وسيف تعاملا مع الوصية كأنها قائمة ممتلكات في مزاد.
حسبوا البيوت.
الشقق.
السيارات.
الحسابات.
ولم يسأل أحد عن سنوات فاضل في السرير.
ولا عني.
فاضل فكر أن يأتي بكِ إلى هنا قبل سنوات تابع موسى لكنكِ لم تكوني لتتركيه وحده. لذلك جهّز وصيتين. واحدة ظاهرة في بغداد وهذه.
وما هذه؟
فتح موسى ملفًا ثانيًا.
في الصفحة الأولى كان مكتوبًا
صندوق السامرائي الاستئماني.
وتحتها اسمي.
المستفيدة الوحيدة تهاني الراوي.
بقيت أحدق بالكلمات حتى صارت غير واضحة.
لا أفهم.
هناك بيت في أوسكودار. حصة كبيرة في شركة استيراد وتصدير. حسابات بنكية تكفي لإدارة كل شيء دون بيع. ومؤسسة مسجلة لرعاية النساء الكبيرات اللواتي تخلت عنهن عائلاتهن.
وضعت يدي على صدري.
مؤسسة؟
فاضل سجلكِ رئيسة دائمة لها.
خرجت مني ضحكة مکسورة.
أنا بالكاد أكملت دراستي.
فاضل قال إنكِ أدرتِ بيتًا، ومرضًا، وعائلة جاحدة طوال ستة وأربعين عامًا وهذا أصعب من إدارة أي مكتب.
وهنا بكيت.
ليس بكاءً جميلًا.
ولا هادئًا.
بكيت ووجهي بين يديّ، مثل امرأة تعبت من الوقوف قوية حتى ينام الآخرون براحة.
انتظر موسى.
وعندما استطعت التنفس، دفع الرسالة نحوي.
هو طلب أن تقرئيها هنا.
مزقت الظرف بأصابع مرتجفة.
خط فاضل كان ضعيفًا، لكنه معروف.
تهاني إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن أولادنا فعلوا تمامًا ما خفت منه. ضحكوا على التذكرة. ظنوا أنني أطردكِ. سامحيني لأنني تركت الأمر يؤلمكِ. كنت أحتاج أن تأتي وحدكِ، دون أن يشكوا.
شدّدت الورقة بين يدي.
ما تركته لكِ في بغداد كان يمكنهم أن يسحبوه منكِ بالمحاكم والمشاكل. أما ما تركته لكِ هنا فهو محمي.
ارتجف فمي.
حيدر كان أخي. الوحيد الذي علّمني أن الډم وحده لا يكفي إذا لم يكن هناك وفاء. وأنتِ كنتِ وفائي. كنتِ بيتي عندما توقف جسدي عن طاعتي. لا أترك لكِ مالًا فقط لترتاحي أترك لكِ مكانًا لا ينظر فيه أحد إليكِ كعبء.
لم أستطع رفع عيني عن الورقة.
إذا أردتِ العودة