بعد جنازة زوجها اكتشفت أن تذكرة إسطنبول كانت أخطر من كل الملايين التي أخذها أولادها!


أمام جهة قانونية.
أن أقرر إن كنت سأدير أو أوكل.
تحدث عن محامين، بنوك، صلاحيات، وأوراق بدت أكبر من قدرتي.
لا أعرف إن كنت أستطيع قلت.
كانت عائشة تضع القهوة على الطاولة، فتوقفت ونظرت إليّ.
ست تهاني، أنتِ قدرتِ ترفعين أستاذ فاضل من سريره عندما لم يعد يستطيع تحريك رجليه. هذه مجرد أوراق.
ضحكت ودموعي في عيني.
بعد ثلاثة أيام، وصل أولادي إلى إسطنبول.
لا أعرف كيف حصلوا على العنوان.
ربما من المحامي في بغداد.
وربما لأن المال يجعل الأنانيين محققين.
ظهروا أمام البيت القديم، متعبين، غاضبين، وملابسهم تقول إنهم جاءوا لإغلاق صفقة لا لزيارة أم.
دخلت رند دون أن تسلّم.
يمّه، شتسوين هنا؟
كنت جالسة قرب النافذة، أشرب القهوة في فنجان أزرق.
أفطر.
نظر سيف حوله.
هذا البيت مال أبوي؟
لا. كان لحيدر.
ومن هذا حيدر أصلًا؟
خرج موسى من المكتب بحقيبته الجلدية.
صباح الخير. أذكركم أن هذا المكان ملكية خاصة.
ضحكت ميساء ضحكة جافة.
يعني شنو ملكية خاصة؟ إحنا أهل.
وقفت ببطء.
غريب. يوم الوصية أيضًا كنتم أهلًا وأنتم تضحكون على تذكرتي.
شدت رند شفتيها.
يمّه لا تكبرين الموضوع. كانت مزحة.
لا. لم تكن مزحة. كانت راحة.
طرق سيف بأصابعه على الطاولة.
أبوي ما كان يحق له يخبي أشياء. لازم نراجع كل شيء.
فتح موسى ملفًا.
يمكنكم المراجعة. لكن إذا طعنتم بالوصية الخاصة، سيتفعل بند الخسارة الجزئية في العراق. أنصحكم أن تقرؤوا قبل أن تهددوا.
شحُب وجه سيف.
وخطفَت ميساء الورقة من يده.
أما رند فنظرت إليّ كأنني أنا التي رتبت كل شيء.
إنتِ كنتِ تعرفين؟
لا.
إذن تنازلي.
الكلمة اخترقتني.
لم تطلب.
أمرت.
كما كانت تترك أطفالها عندي دون أن تسأل.
كما كان سيف يأخذ المال سلفة وهو يعرف أنه لن يعيده.
كما كانت ميساء تنظر إليّ كأنني قطعة أثاث قديمة في بيتهم.
تنازلي.
عن راحتكِ.
عن اسمكِ.
عن بابكِ.
عن آخر شيء تركه لكِ فاضل.
شعرت بالخۏف.
نعم.
الخۏف لا يختفي لأن هناك أوراقًا.
يبقى في الجسد، معتادًا على الطاعة.
لكنني شعرت أيضًا برسالة فاضل داخل حقيبتي.
دفعتِ ثمن الحب أكثر من اللازم.
لا قلت.
رمشت رند.
شنو؟
لن أتنازل.
أخرج سيف نفسًا حادًا من أنفه.
يمّه، هم يلعبون بعقلك.
لا يا ابني. لأول مرة أحد يخبرني الحقيقة بدل أن يستخدمني.
تقدم خطوة نحوي.
فتقدم موسى أيضًا.
لكن الأمر لم يحتج.
ظهرت عائشة عند الباب، ومعها رجلان من العاملين في الشركة.
لم يقولوا شيئًا.
وقفوا فقط.
ثابتين.
خفض سيف صوته.
راح تبقين وحدكِ.
نظرت إليه.
رأيت الطفل الذي كنت أمسح حرارته بيدي.
والشاب الذي دفعت له مصاريف الجامعة.
والرجل الذي لم يبكِ على أبيه لأنه كان مشغولًا بحساب السيارات.
أنتم تركتموني وحدي من زمان قلت الفرق أن عندي الآن مفاتيح.
بدأت رند تبكي.
في الماضي، كانت دموعها تكسرني.
هذه المرة رأيت أنها ليست دموع ألم.
كانت دموع خسارة.
لكنهم لم يكونوا يخسرونني.
كانوا يخسرون الوصول إليّ.
خرجوا ذلك اليوم وهم ېهددون بالمحامين، والسفارة، والمحاكم، وكل شيء يستخدمه الناس عندما لا يملكون حقًا، لكن يملكون مالًا يكفي لإحداث الضجيج.
بقيت أنا في الشرفة.
والمطر عاد ينزل فوق إسطنبول.
سألني موسى إن كنت أريد الرجوع إلى بغداد لأيام.
فكرت في بيتي الصغير.
في الطاولة التي بدت عليها التذكرة كإهانة.
في جاراتي.
في رائحة الخبز صباحًا.
في الشوارع التي حفظت خطواتي وأنا أذهب للصيدلية.
فكرت في كل ما كان لي.
ثم فكرت في بيت أوسكودار.
في شركة الأخوان.
في عائشة.
في النساء اللواتي يمكن للمؤسسة أن تستقبلهن.
وفي فاضل، وهو يكتب بيده المتعبة أنه لم يترك لي مالًا لأختفي بل مكانًا أُرى فيه.
سأرجع إلى بغداد قلت لكن ليس لأبقى.
رجعت بعد شهر.
لم أدخل بيوت أولادي.
ذهبت إلى قبر فاضل ومعي ورد أبيض، رغم أنه لم يكن موسمه.
جلست أمام الشاهد، ووضعت الرسالة على صدري.
يا رجل يا كتوم همست جعلتني أبكي في مكتب مليء بالغربان.
حرّك الهواء الزهور.
لكن شكرًا.
لم أبع البيت الصغير الذي اعتنيت به فيه.
رممته.
وتركت مفتاحًا عند جارتي أم
سامر.
وفي المطبخ،