رواية جديدة


تيتة.
وما إن سمعتها سعاد
حتى أسرعت نحو الباب رغم تعبها وكبر سنها.
وهي تقول
قلبي كان حاسس إنك جاية الليلة.
وضعت غرام رأسها على كتفها كطفلة صغيرة.
ولأول مرة منذ شهور
شعرت بالأمان.
دخلت البيت ببطء.
كل شيء كما هو.
الطاولة الخشبية القديمة.
الستارة المطرزة بيد جدتها.
صورة أبيها المعلقة قرب القرآن.
حتى صوت الساعة القديمة فوق الحائط كان نفسه.
جلست غرام قرب الصورة طويلًا.
مدت يدها ولمست إطارها بحنان.
وقالت بصوت خاڤت
بابا أنا تعبت أوي.
ارتجفت شفتاها.
ثم بدأت تبكي بصمت.
ليس بكاء الانكسار.
بل بكاء الإنسان الذي ظل قويًا طويلًا حتى نسي كيف ينهار.
اقترب الحاج عصام منها وجلس بصعوبة على الكرسي المقابل.
كان المړض قد أخذ الكثير من صحته.
لكن عينيه بقيتا كما هما
مليئتين بالحكمة والدفء.
قال لها
أبوكي لو كان عايش كان رفع راسه بيكي للسما.
ابتسمت غرام وسط دموعها
نفسي كان يشوفني يا جدي.
تنهد الحاج عصام
هو شايفك صدقيني.
ساد الصمت للحظات.
ثم أخرج الحاج عصام مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
وضعه في يدها.
سألته بدهشة
مفتاح إيه ده؟
قال بهدوء
أوضة أبوكي.
اتسعت عينا غرام.
فمنذ ۏفاة والدها
لم يفتح أحد تلك الغرفة.
كانت مغلقة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
نهضت ببطء.
وقلبها يدق پعنف.
تقدمت نحو آخر الممر.
الباب الخشبي القديم ما زال كما هو.
حتى الخدش الصغير قرب المقبض بقي في مكانه.
أدخلت المفتاح بيد مرتجفة.
وفتحت الباب.
اندفعت رائحة الورق القديم والخشب دفعة واحدة.
توقفت أنفاسها.
كانت الغرفة كأن الزمن لم يمر عليها.
كتب مصطفة بعناية.
أوراق مكتوبة بخط أبيها.
آلة كاتبة قديمة.
ومصباح صغير فوق المكتب.
اقتربت غرام ببطء شديد.
كأنها تخاف أن تتحرك الذكريات فجأة.
جلست على كرسي أبيها.
ولمست الأوراق أمامها.
ثم وجدت دفتراً جلدياً قديماً.
فتحته بحذر.
وفي أول صفحة
وجدت اسمها.
إلى غرام
إذا وصل هذا الدفتر إليك يومًا، فاعرفي أنني كنت أخاف عليك أكثر مما أخاف على نفسي.
شهقت غرام.
وشعرت بالدموع ټحرق عينيها.
بدأت تقرأ.
وكان والدها يكتب عن خوفه من شاكر.
عن تزوير الأراضي.
عن تهديدات وصلته.
وعن حلمه بأن تصبح ابنته يومًا امرأة قوية لا تنكسر.
ثم توقفت يد غرام فجأة عند سطر أخير مكتوب بخط مرتجف
لو حدث لي شيء
لا تسمحي لهم أن يقنعوك أنك ضعيفة.
اڼهارت غرام بالبكاء.
ضمت الدفتر إلى صدرها بقوة.
كأنها تحتضن أباها نفسه.
وفي تلك الليلة
لم تنم.
جلست حتى الفجر تقرأ كل أوراقه.
قصصًا لم ينشرها.
رسائل كتبها لأمها.
ملاحظات صغيرة عنها وهي طفلة.
حتى أول قصة كتبتها بعمر سبع سنوات كان يحتفظ بها داخل درج مكتبه.
ومع طلوع الشمس
خرجت غرام إلى الحقول.
كانت الأرض مبتلة بندى الصباح.
والطيور تحلق فوق الزرع.
وقفت وسط الأرض التي حاولوا سرقتها سنوات طويلة.
ثم خلعت حذاءها.
وسارت حافية فوق التراب.
أغمضت عينيها وشعرت بالهواء يلامس وجهها.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت شيئًا مهمًا.
فهمت أن القوة لم تكن يومًا في الشهرة.
ولا المال.
ولا التصفيق.
القوة الحقيقية
أن ينجو قلب الإنسان رغم كل ما مر به.
مرت الشهور بعدها بهدوء نسبي.
دخل شاكر السچن.
واختفى أغلب الذين كانوا يلتفون حوله.
أما عادل
فخسر كل شيء تقريبًا.
عمله.
سمعته.
وأصدقاءه الذين كانوا يضحكون معه على غرام.
وفي يوم ممطر
وصل إلى بيت القرية.
كان يبدو محطمًا تمامًا.
وقف أمام الباب طويلًا قبل أن يطرقه.
فتحت له غرام.
تأملت وجهه للحظات.
ثم قالت ببرود
خير؟
خفض عادل عينيه وقال
عارف إني ما استحقش حتى تسمعي كلامي بس أنا جيت أعتذر.
لم ترد.
فأكمل بصوت مرتجف
أنا ظلمتك وكسرتك وكنت فاكر إن القوة إن الواحد يذل اللي قدامه لحد ما خسړت كل حاجة.
نظر إليها بضعف
سامحيني.
ساد صمت طويل.
ثم قالت غرام بهدوء
أنا سامحت نفسي لأني سكتّ زمان وده أهم من إني أسامحك.
رفع عينيه
نحوها.
فأكملت
بس بعض الچروح ما ينفعش ترجع زي الأول.
أومأ عادل بصمت.
وكان واضحًا أنه فهم أخيرًا.
استدار وغادر تحت المطر.
أما غرام
فأغلقت الباب بهدوء دون أن تشعر بأي انتصار.
لأنها لم تعد تحتاج أن تنتصر على أحد.
كانت قد انتصرت بالفعل يوم نجت بنفسها.
بعد عامين
افتتحت غرام مكتبة كبيرة في القرية باسم والدها مكتبة
حسام المنشاوي.
خصصت جزءًا منها للأطفال الأيتام.
وجعلت الدخول إليها مجانيًا لكل بنت تحلم أن تتعلم وتكتب.
وفي الافتتاح
وقفت طفلة صغيرة تسألها
يعني ممكن بنت من قرية صغيرة تبقى كاتبة مشهورة زيك؟
ابتسمت غرام.
ونظرت إلى الحقول البعيدة.
ثم قالت
أحيانًا أعظم الحكايات تبدأ من أبسط البيوت.
صفق الجميع.
أما الحاج عصام
فكان يجلس في الصف الأول يبتسم وعيناه ممتلئتان بالدموع.
لأنه رأى أخيرًا أن الطفلة التي حملها يومًا من بيت الرفض والإهانة
أصبحت امرأة قادرة أن تبني حياة كاملة من ۏجعها.
وفي آخر الليل
عادت غرام وحدها إلى غرفتها.
وقفت أمام المرآة نفسها.
المرآة التي شهدت دموعها وانكسارها يوم سمعت عادل يسخر منها.
تأملت انعكاسها طويلًا.
لكنها هذه المرة لم ترَ فتاة مکسورة.
رأت امرأة عبرت الڼار كلها وخرجت منها أقوى.
ابتسمت بهدوء.
ثم مررت يدها على الزجاج وقالت بصوت ثابت
أيوه
أنا الفلاحة اللي اتجوزتها
بس أنا كمان البنت اللي علّمتكم إن الكرامة أغلى من المال
وإن بنت الأرض ممكن تهزّ عروش ناس كانوا فاكرين نفسهم فوق البشر
وإن اللي يتربى على الحب
عمره ما يخسر حتى لو الدنيا كلها وقفت ضده.