ابني مكنش بيسال

ابني مكلمنيش لمدة عشر سنين كاملةوبعدين فجأة، طفلة صغيرة شبهو بدأت تدخل المخبز بتاعي كل يوم.
وماكنتش مستعدة للحقيقة اللي وراها.
بعد آخر خناقة بيني وبين ابني
اختفى من حياتي.
مش اختفى جسديًا بس.
اختفى بالكامل.
لا مكالمات.
لا معايدات.
لا زيارات في الأعياد.
ولا حتى رسالة قصيرة تقول
أنا عايش يا أمي.
أول كام سنة
كنت بستناه.
كل مرة باب المخبز يفتح، قلبي كان بينط قبل عقلي.
كل مرة التليفون يرن بعد القفل، كنت أتخيل صوته على الناحية التانية يقول بتردد
ألو يا أمي.
لكن الأمل حاجة غريبة.
ما بيموتش مرة واحدة.
بيخف.
يبهت.
لحد ما تبطل تغذيه لأن وجوده بيوجع.
بعد ١٠ سنين
دربت نفسي ما استناهوش تاني.
وبقى المخبز هو حياتي.
مخبز روز كان في زاوية شارع هادي، بين محل ورد ومكتبة قديمة.
كل يوم قبل الفجر، أعجن، وأخبز، وأعمل قهوة، وأرص الكرواسون والفطاير ولفائف القرفة
اللي ابني كريم كان بيعشقها وهو صغير.
كان يقعد فوق الرخامة، الدقيق على خده، ويقول وهو بيهز رجليه
حطي سكر زيادة يا ماما.
وأقوله
هتبوظ عشاّك.
فيرد بثقة
مستعد أخاطر.
الذكريات دي كانت خطېرة.
عشان كده كنت بقفل عليها جوايا.
لحد من ٣ أسابيع
طفلة صغيرة بمعطف أصفر دخلت المخبز الساعة ٤ بالظبط.
ماكنتش أكبر من ٩ سنين.
شعرها البني متضفر بعشوائية.
شنطتها أكبر من حجمها.
لكن اللي خلاني تقريبًا أوقع الصينية من إيدي
كان عينيها.
نفس عينين كريم.
بني غامق.
لامعين.
عنيدين.
وفيهم حزن مستخبي.
وقفت على أطراف صوابعها وقالت
لو سمحتي اتنين رول قرفة.
ابتسمت رغم إن صدري اتقبض.
شهية كبيرة أوي.
قالت بجدية
واحدة ليا وواحدة لبابا.
حطيتهم في العلبة بحرص.
وقلت
واضح إن بابا عنده ذوق.
ضحكت وقالت
هو بيقول إن محدش بيعملهم زي هنا.
المخبز كله لف بيا للحظة.
أخدت نفس بالعافية.
بجد؟
آه. قال إنه كان بياكلهم وهو صغير.
صوابعي تجمدت على الشريط.
كان نفسي أسألها اسمه.
عايش فين.
هل عنده أثر الندبة اللي فوق حاجبه لما وقع من العجلة وهو عنده ٧ سنين.
لكن بدل كل ده
قلت بس
بلّغي بابا شكرًا.
هزت راسها، ودفعت بعملات ورقية مكرمشة، وجريت في المطر.
حاولت أقنع نفسي إن الموضوع عادي.
ناس كتير بتحب رول القرفة.
ناس كتير عندها بنات.
لكن تاني يوم
رجعت.
الساعة ٤ بالظبط.
واليوم اللي بعده.
واللي بعده.
دايمًا اتنين رول.
دايمًا المعطف الأصفر لو الدنيا بتمطر.
ودايمًا نفس الابتسامة الحذرة كأنها اتعلمت بدري إنها ما تاخدش مساحة كبيرة.
بعد فترة، عرفت إن اسمها ليلى.
عندها ٩ سنين.
بتحب الإملاء.
پتكره المشروم.
وفاكرة إن الحمام مشپوه.
كانت تقعد جنب الشباك تعمل واجبها وأنا أنضف وأجهز الطلبات.
في الأول كانت تقعد ١٠ دقايق.
بعدها ٢٠.
وبعدين ساعة كاملة.
في مرة سألتها
بابا يعرف إنك بتيجي هنا كل يوم؟
هزت راسها.
هو بيديني فلوس. بيقول أعدي هنا قبل ما أروح عند طنط سعاد.
مين طنط سعاد؟
جارتنا. بتقعد معايا لحد بابا يرجع.
ترددت شوية قبل ما أسأل
ومامتك؟
القلم وقف في إيدها.
وقالت بهدوء صغير
أنا وبابا بس. ماما سابتنا وأنا صغيرة مش فاكرة شكلها قوي.
قلبي وجعني.
أنا آسفة يا حبيبتي.
هزت كتفها محاولة تبان قوية.
عادي. بابا بيشتغل كتير وبيقول كل حاجة بيعملها عشاني.
الجملة كسرتني من جوا.
ومن اليوم ده
بقيت أسيبلها أطرى رول قرفة عندي.
وكنت أقنع نفسي إنه مجرد