ابني مكنش بيسال


طيبة.
لكن الحقيقة
إني بقيت بستناها.
الساعة ٣٥٥ أبص للباب.
٤٠٠ بالظبط
تدخل ليلى.
ومعاها شبح الحياة اللي فقدتها.
لحد امبارح.
الدنيا كانت مطر وعاصفة قوية.
وكنت خلاص هقفل المحل
لما الباب اتفتح پعنف.
ليلى دخلت وهي مبلولة بالكامل.
المعطف الأصفر متقطع من الكم.
ركبها كلها طين.
وعينيها مليانة دموع.
ليلى!
جريت عليها قبل ما تقع.
وقعت من العجلة
قالتها وهي بټعيط.
في أولاد كبار جروا ورايا خدوا الشنطة ورموها في المية.
الڠضب ولّع جوايا.
لكن صوتي فضل هادي.
إنتِ بأمان دلوقتي.
قعدتها ورا الكاونتر.
نضفت چروحها.
ولفيتها بفوطة.
واديتها لبن دافي بعسل.
وبعدين ناولتها موبايلي.
اتصلي ببابا يا حبيبتي.
إيديها كانت بتترعش وهي بتطلب الرقم.
بابا؟
همست بصوت مكسور.
أنا في المخبز أنا كويسة بس وقعت أرجوك ما تزعلش.
قلبي اتلوى.
أرجوك ما تزعلش.
ولا طفل المفروض يقول الجملة دي وهو موجوع.
بعد ١٠ دقايق
باب المخبز اتفتح پعنف لدرجة إن الجرس كاد يقع.
راجل دخل بسرعة، المطر بينزل من معطفه الأسود.
شاف ليلى الأول.
بعدين چروحها.
وبعدين
شافني أنا.
والزمن وقف.
ابني كان واقف قدامي.
أكبر.
أرفع.
وتعبان بطريقة أعمق من مجرد قلة نوم.
لكن لسه
كريم.
عينه وسعت للحظة.
وبعدين وشه قسى فورًا.
وصاح
إنتِ عملتي إيه في بنتي يا أمي؟
كلمة أمي وجعتني أكتر من الاتهام نفسه.
وقفت بهدوء من ورا الكاونتر.
وقلت بابتسامة باهتة
وأنا كمان سعيدة إني شوفتك يا حبيبي.
ليلى بصتلنا بحيرة.
وقالت بصوت صغير
استنوا إيه اللي بيحصل؟
كريم كان واقف وسط المخبز، هدومه مبلولة
مية، ونَفَسه عالي ومكتوم كأنه كان بيجري في سباق بقاله سنين ومِش قادر يقف. عينه كانت بتروح وتيجي بيني وبين ليلى، والجمود اللي كان مالئ وشه بدأ يتشرخ واحدة واحدة لحد ما ظهر الانكسار الحقيقي اللي مخبيه ورا قناع العناد.
ليلى نزلت من على الكرسي، وراحت مسكت في معطف أبوها وقالت ببراءة ودموع
ليلى بابا.. طنط روز مَعلمتليش حاجة وحشة! دي هي اللي خبتني من المطر ونضفت چروحي وسقتني لبن دافي.. دي دايمًا بتسيب لي أحسن وأطرى رول قرفة عشان خاطر عيونك يا بابا!
كريم بص لبنته، وبعدين رفع عينه وبص لي.. النظرة الحادة القاسېة اختفت تماماً، وعينيه املت دموع غطت ملامحه كلها. ساب مفاتيحه وموبايله على الترابيزة الخشبية، وتقدم خطوتين بطيئين ناحيتي، وصوته طلع شرخ ومبحوح كأنه طفل تايه رجع لبيته
كريم أنا مكنتش هربان منك يا أمي.. ولا كنت ناسي ريحة مخبزك ولا لفائف القرفة اللي كبرت عليها.. أنا كنت مستحي أرجعلك وأنا مكسور ومفلس ومعيش مليم واحد يشرفك بعد ما خسړت كل فلوسي وشغلي في الشركة القديمة.. ومراتي سابتني وأنا شايل طفلة رضيعة وممعيش حتى تمن علبة اللبن بتاعتها!
دموعي نزلت بغزارة، وخرجت من ورا الكاونتر ومفكرتش في أي عتاب ولا أي خناق فات؛ مشيت وجريت عليه وضميته لصدري بكل قوتي، ودفنت وشي في كتفه المبلول بالمطر وهو انهار تماماً وفضل يبكي في حضڼي زي الطفل الصغير اللي كان بيقعد فوق الرخامة والدقيق على خده.
روز بدموع ونبرة مليانة أمومة وأمان هزت المكان يا غبي يا ابن عمري.. الأم مابتستناش من ابنها