عدتُ إلى البيت مريضًا فوجدت سيارة صاحب الشركة في مرآبي... لكن المفتاح القديم كشف مصېبة أكبر بكثير!

كان المكان الذي قصدته تلك الليلة أبعد مما توقعت. لم يكن جامعًا ولا مقامًا كما تخيلت من كلام المرأة.
كان بيتًا حجريًا قديمًا، بناه عمي فاضل وحده بعيدًا عن الناس، في منطقة شبه مهجورة على أطراف الريف.
قدت سيارتي قرابة ساعتين في الليل، بين طرق ترابية ضيقة لا تمر بها إلا شاحنات قديمة أو رعاة يعرفون المكان جيدًا.
كانت الدنيا ساكتة بشكل يخنق.
كلما ابتعدت عن أضواء المدينة، كنت أشعر أنني لا أذهب إلى مكان جديد، بل أرجع إلى سر قديم كان ينتظرني منذ سنوات.
وصلت إلى البيت قبل الفجر بقليل.
نزلت من السيارة وأنا أحمل المفتاح في يدي.
كان المفتاح باردًا وثقيلًا، وكأنه يعرف أكثر مني ة
أدخلته في القفل.
ودار بسهولة غريبة.
كأن الباب كان ينتظرني طوال هذه السنين.
دخلت.
لم أحتج إلى وقت طويل حتى أفهم أن عمي فاضل لم يكن رجلًا غريب الأطوار كما كان البعض يقول.
الجدار المقابل كان مغطى بالصور.
صور قديمة.
قصاصات جرائد.
أوراق صفراء.
خيوط صوف مشدودة من ورقة إلى ورقة.
من صورة إلى صورة.
بعض الأوراق كانت قديمة جدًا، حوافها متآكلة ولونها باهت.
لكن هناك خيوطًا جديدة.
مشدودة بقوة.
كأن من وضعها كان يعمل عليها قبل فترة قريبة.
اقتربت منها ببطء.
خيط يصل إلى صورة شركة الأخشاب.
خيط آخر يصل إلى صورة قديمة للحاج الجبوري، والد الحاج كاظم.
خيط ثالث يصل إلى صورة الحاج كاظم نفسه.
أما آخر خيط...
وكان أحدثها وأشدها وضوحًا...
فكان يصل إلى صورة بيتي.
باب بيتي.
وتحتها قصاصة صغيرة مكتوب فيها اسمي
جاسم.
شعرت أن صدري ضاق فجأة.
عمي لم يكن يتخيل.
لم يكن يهذي.
لم يكن يعيش في الماضي كما كانوا يقولون.
كان يرسم شيئًا حقيقيًا منذ سنوات.
وأنا كنت في منتصف هذا الرسم دون أن أعرف.
على الطاولة الخشبية القديمة كان هناك حقيبة جلدية بنية.
الغبار يغطيها.
فتحتها بصعوبة باستخدام مفك صغير وجدته قرب النافذة.
في الداخل كانت هناك رزم نقود.
توقفت لحظة.
ثم رفعتها بيدين مرتجفتين.
تحت النقود وجدت ورقة مطوية أربع طيات.
فتحتها.
كانت نسخة مصورة لتوقيع.
توقيع يشبه خط والدي.
نفس الانحناءة.
نفس شكل الحروف.
لكن كان فيه شيء مكسور.
شيء غير طبيعي.
كأن أحدهم أمسك بيده وأجبرها على الكتابة.
وفي أسفل الورقة كان هناك تاريخ.
قبل ثلاثة أيام فقط من ۏفاة والدي.
لم أفهم ما تعنيه الورقة.
لكنني شعرت أنها أخطر من كل ما رأيته.
طويتها ووضعتها بين الأوراق.
وفوق كل شيء كانت هناك رسالة بخط عمي فاضل المرتجف.
لم تكن طويلة.
كانت سطرًا واحدًا فقط
إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أنهم أخذوا منك كل شيء... جيد، الآن فقط ستصدقني.
لم أستطع حتى أن أفكر.
رن هاتفي فجأة.
رقم غريب.
لم أجب.
بعد عشر ثوانٍ وصلتني رسالة من سعد
جاسم، هناك رجال يسألون عنك في الحي. وجوه لا أعرفها. لا ترجع.
أغلقت الضوء رغم أنني لم أكن قد أشعلته أصلًا.
فكرت في سيف.
في رسالته
بعد غد لن يبقى شيء كما هو.
كان ابني في الطرف الآخر من هذا كله.
ولم أكن أعرف هل كان ضحېة... أم يعرف أكثر مما أظن.
لم أنتظر طلوع الشمس.
جمعت الأوراق.
وضعت نسخة التوقيع بينها.
أخذت الحقيبة الجلدية.
وغادرت قبل أن يطلع النهار.
وفي المرآة رأيت أضواء سيارة خلفي.
كانت تقترب.
هذه المرة لم أتوقف جانبًا.
في اليوم التالي رن هاتفي.
كان رقمًا أعرفه جيدًا.
الحاج كاظم.
لم أكن أتوقع اتصاله.
أجبت بلا تفكير.
قال بصوته الهادئ المعتاد
جاسم.
كان يتكلم وكأنه يسأل عن موعد اجتماع عادي.
جيد أنك أجبت. سأكون قريبًا من منطقتك غدًا. ما رأيك أن نشرب قهوة؟
قلت ببرود
مشغول.
قال
طبعًا، طبعًا.
سكت لحظة قصيرة.
ثم أضاف
بالمناسبة... كيف حال الولد؟ سيف، صحيح؟ أصبح شابًا الآن.
لم أقل شيئًا.
وهو لم ينتظر جوابًا.
قال
حسنًا. عندما تجد وقتًا. انتبه لنفسك.
ثم أغلق.
بقيت أنظر إلى شاشة الهاتف.
لم يهددني.
لم يطلب مني شيئًا.
لم يرفع صوته.
فقط قال اسم ابني.
قاله بنفس الطريقة التي يقول بها الإنسان مساء الخير.
وهذا